كزوال الشمس على وجوب الصلاة، أو سبباً كالزنا لوجوب الحد، أو شرطاً كالوضوء لصحة الصلاة، أو مانعاً كالنجاسة لإفساد الصلاة، أو البيع لكونه صحيحاً أو فاسداً، ونحوه، زاد بعضهم في الحد: أو الوضع.
والمراد بالوضع ما ذُكر: جعل الشيء سبباً لشيء آخر، أو شرطاً لشيء آخر، أو مانعاً لشيء آخر، حينئذٍ نقول: هذا حكم شرعي ولكنه ليس بتكليفي وإنما هو حكم وضعي، فزيد في الحد: أو الوضع لكونه حكماً شرعياً؛ لأنه لا يُعلم إلا بوضع الشرع فلا يستقيم الحد إلا بهذه الزيادة.
حينئذٍ الحكم الشرعي عند الأصوليين: هو خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلَّف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وهذا أصح الحدود وأشملها، وأولى مما ذكره المصنف رحمه الله تعالى: مدلول الخطاب الشرعي ونحو ذلك.
قال رحمه الله تعالى: (وَالْخِطَابُ). لما قال: (الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ مَدْلُولُ خِطَابِ الشَّرْعِ) ما هو الخطاب؟
قيل: الخطاب: توجيه الأمر إلى الغير، وهذا واضح، وهو المعنى اللغوي، لكن أراد أن يحده بحد قال: (الْخِطَابُ قَوْلٌ يَفْهَمُ مِنْهُ مَنْ سَمِعَهُ شَيْئًا مُفِيدًا مُطْلَقًا) هذه كلها قيود.
(قَوْلٌ) يعني: هو لفظ مفيد، خرج به ما أفاد وليس بلفظ كالإشارات والحركات المفهمة، فحينئذٍ لا تسمى خطاباً.
(قَوْلٌ يَفْهَمُ مِنْهُ) خرج من لا يفهم كالصبي ومن هو دونه كالمجنون.
(مَنْ سَمِعَهُ) يعني: سامعه، من لم يسمعه لا يسمى خطاباً في حقه.
(شَيْئًا مُفِيدًا) خرج المهمل؛ لأن الذي يفيد هو المستعمل، والذي لا يفيد هو المهمل.
هذا يدل على ماذا؟ يدل على أن المصنف استعمل القول هنا بمعنى اللفظ.
فالقول بمعنى اللفظ عند بعض النحاة، حكا السيوطي رحمه الله تعالى خمسة أقوال في العلاقة بين اللفظ والقول.
بعض النحاة يرى أن القول واللفظ مترادفان، حينئذٍ قوله: (شَيْئًا مُفِيدًا) أخرج المهمل، دل على أن القول هنا مرادف للفظ.
(مُطْلَقًا) يعني: سواء قصد إفهامه أم لا.
{فَالْقَوْلُ: اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الإشَارَاتِ وَالْحَرَكَاتِ الْمُفْهِمَةِ. وَخَرَجَ بِقَيْدِ " الْفَهْمِ " مَنْ لاَ يَفْهَمُ, كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ; إذْ لاَ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ خِطَابٌ.
وَقَوْلُهُ " مَنْ سَمِعَهُ" لِيَعُمَّ الْمُوَاجَهَةَ بِالْخِطَابِ وَغَيْرِهِ, وَلِيَخْرُجَ النَّائِمُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَنَحْوُهُمَا.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ "مُفِيدًا" الْمُهْمَلُ.
وَقَوْلُهُ " مُطْلَقًا " لِيَعُمَّ حَالَةَ قَصْدِ إفْهَامِ السَّامِعِ وَعَدَمَهَا.
وَقِيلَ: لاَ بُدَّ مِنْ قَصْدِ إِفْهَامِهِ}.
والأول أصح: أنه لا يشترط القصد.
﴿فَعَلَيْهِ: حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ إفْهَامَهُ لاَ يُسَمَّى خِطَابًا﴾.
قال الكوراني: الخطاب توجيه الكلام إلى نحو الغير للإفهام أو للغير المتهيئ للفهم، عبارتان. يعني: اختلف فيهما بناء على ماذا؟ هل يُشترط إفهام الغير أم لا؟
من اشترط قيّد: للغير المتهيئ للفهم، أما من لم يكن متهيئاً للفهم فالقول له وإسماعه الكلام لا يسمى خطاباً، والأول الذي قدّمه المصنف أولى.
قال: (وَيُسَمَّى بِهِ الْكَلاَمُ فِي الأَزَلِ فِي قَوْلٍ) هذا على تفريع على قول أهل البدع، أما عندنا فلا.