هل قولهم: المعرفة يشمل النوعين أم يختص بنوع دون آخر؟ قوله: بالفعل بالاستدلال، يعني لا بد أن يكون الحكم الشرعي ثابتاً بماذا؟ بالنظر والاجتهاد، خرج به ما لا يثبت بنظر واستدلال وهو جماهير الأحكام الشرعية التي يعلمها المسلمون قاطبة عامة وخاصة، فلا تسمى فقهاً في اصطلاح الفقهاء، ولذلك الحد المشهور عندهم: أن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية المكتسبُ، قالوا: المكتسب -هذا ذكره في جمع الجوامع وغيره- المكتسب: هذا احترازاً عن غير المكتسب، وهو ما كان معلوماً من الدين بالضرورة كالمسائل التي ذكرناها، وافقهم المرداوي في شرح التحرير، قال: وخرج أيضاً ما علم من الدين بالضرورة فلا يسمى فقهاً، كإيجاب الصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج، وتحريم الزنا، الأحكام الشرعية كلها خرجت، إذاً ماذا بقي من الفقه .. إذا كان هذه المسائل كلها خرجت ماذا بقي؟ والصوم والحج وتحريم الزنا والربا والسرقة ونحوها؛ لأنه ليس من الفقه، إلى أن قال: والعلم بهذه الأشياء لا يسمى فقهاً في الاصطلاح وإن سُمي فروعاً بالنسبة إلى أصول الدين، والصحيح أن الفقه يشمل النوعين ولا دليل للتخصيص، بمعنى: أن هذه الأحكام المذكورة من إيجاب الصلوات ونحوها يكون أو يسمى فقهاً في الاصطلاح وفي التقييد بكون القطع لا يسمى هذا يحتاج إلى دليل، ولا دليل.
(أَوْ الْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ) يعني: أو بالقوة القريبة من الفعل، يعني ﴿بِالتَّهَيُّؤِ لِمَعْرِفَتِهَا بِالاِسْتِدْلاَلِ﴾ وعبر هناك في المراقي:
(وَالعِلمُ بِالصَّلاَحِ فِيمَا قَدْ ذَهَبْ) لما عرَّف الفقه بأنه العلم قال:
(وَالعِلمُ بِالصَّلاَحِ فِيمَا قَدْ ذَهَبْ) يعني: المراد بالعلم هناك الصَّلُوحية، بأن يكون صالحاً للبحث والنظر، وأما من لم يكن صالحاً للبحث والنظر فليس من أهل العلم لا بقليل ولا كثير.
و (أَوْ) هنا .. (بِالْفِعْلِ أَوْ الْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ) بمعنى الواو، فيكون معرفة الأحكام بعضها بالفعل وبعضها بالقوة .. ما اجتمع فيه الأمران، ويحتمل أن (أَوْ) هنا للتنويع وليست بمعنى الواو، والمراد أن المعرفة نوعان، منها ما هو بالفعل ومنها ما هو بالقوة، فيندفع الإشكال الوارد على التعريف، وهو حكمهم بأنه معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالفعل، هذا هو الأصل فيه، وهذا لا يقدر عليه بشر، لا يقدر عليه البشر البتة أن يعرف جميع الأحكام الشرعية، أو القوة، وهو مشكل، إذ لا بد للفقيه من معرفة بعض الأحكام بالفعل.
على كلٍ؛ أراد بـ (أَوْ) هنا أن يجمع بين الوصفين، وحينئذٍ يكون المراد بقوله: (الْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ) يعني من الفعل، هذا احترازاً عن البعيدة؛ لأن المبتدئ العامي عنده قوة لكنها بعيدة، يعني يحتاج إلى عشرين سنة حتى يتعلم، وهذا عنده قوة يعني عنده تهيؤ، وحينئذٍ نقول: هذا ليس بوارد، وإنما المراد القوة القريبة التي وجدت عنده أصول وقواعد أهل العلم.
إذاً: ﴿الْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْفِعْلِ, أَيْ بِالتَّهَيُّؤِ﴾ فهو متهيئ للعلم بأحكامها بمعاودة النظر، ومعنى التهيؤ: ملكة يقتدر بها على إدراك جزئيات الأحكام، وقد اشتهر عُرفاً إطلاقه على هذه الملكة.