(الأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ قَدْ تُفِيدُ الْيَقِينَ) إذا جرى على طريقة أهل البدع فقد هنا للتقليل؛ لأن الأصل أن النقل لا يفيد القطع عندهم، ومِن هنا جاءت بدعة عدم الاعتماد على الكتاب والسنة في باب العقائد؛ لأنها تفيد ظناً، لأنه يحتمل .. كل لفظ يحتمل الاشتراك، ويحتمل التقدير، ويحتمل النسخ، ويحتمل المجاز .. إلى آخره، فلما ورد عليه الاحتمالات الثمانية التي ابتدعها الرازي وغيره فحينئذٍ قالوا: لا تفيد القطع وإنما تفيد الظن، وإذا كان كذلك فالعقائد مبناها على القطع، إذاً: لا الكتاب ولا السنة يفيدان القطع البتة، فالعقائد من الكتاب والسنة. وهذا مشكل.
إذاً: (وَالأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ قَدْ) إذا جرى على طريقة أهل البدع فحينئذٍ نقول: هذه للتقليل (قدْ تُفِيدُ الْيَقِينَ) وإذا جرينا على الحق، حينئذٍ نقول: (وَالأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ قَدْ تُفِيدُ الْيَقِينَ) قد هنا للتحقيق على الصحيح، هذه مر معنا مراراً أن قد المشهور عند النحاة أنها إذا دخلت على الماضي أفادت التحقيق أو التقرير، وإذا دخلت على المضارع أفادت التقليل أو التكثير.
والصحيح أنها إذا دخلت على المضارع كذلك قد تفيد التحقيق، قال تعالى: ((قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ)) [الأحزاب:18] الآية.
((قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ)) [الأحزاب:18] هنا لا تكون للتقليل ولا للتكثير، وإنما تكون للتحقيق وهذا هو الصحيح، وحينئذٍ نحمل قد هنا للتحقيق.
قال: (وَالأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ) يعني: الشرعية .. الكتاب والسنة، (قَدْ تُفِيدُ الْيَقِينَ) يعني: تحقيقاً؛ لأن منها ما يفيد اليقين.
وجميع ما يتعلق بالعقيدة الذي هو الأصول وأصول الأصول في الكتاب والسنة يقينية، يقينية بفهم السلف الصالح ليس بفهم أهل البدع، فحينئذٍ إذا كان كذلك فالأكثر فيه أنه يفيد اليقين.
﴿قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَهَذَا الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ السَّلَفِ وَغَيْرُهُمْ﴾ العبرة هنا بالسلف .. بفهم الصحابة .. الكتاب والسنة على فهم الصحابة.
{وَقَدْ حَكَى الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةَ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا تُفِيدُهُ مُطْلَقًا} يعني: ولو لم يكن قرينة.
﴿وَالثَّانِي: لاَ تُفِيدُهُ مُطْلَقًا﴾ وهذا باطل مردود على أصحابه ﴿قَالُوا: لِتَوَقُّفِ الْيَقِينِ عَلَى أُمُورٍ لاَ طَرِيقَ إِلَى الْقَطْعِ بِهَا﴾ واختاره الآمدي والرازي.
﴿وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا قَدْ تُفِيدُ إذا انْضَمَّ إلَيْهَا تَوَاتُرٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ, وَلاَ عِبْرَةَ بِالاِحْتِمَالِ. فَإِنَّهُ إذا لَمْ يَنْشَأْ عَنْ دَلِيلٍ لَمْ يُعْتَبَرْ, وَإِلاَ لَمْ يُوثَقْ بِمَحْسُوسٍ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ﴾ يعني: ابن تيمية رحمه الله تعالى.
إذاً: (وَالأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ قَدْ) تحقيقاً (تُفِيدُ الْيَقِينَ) وباب العقائد وهو أهم ما يكون إنما هو من باب القطعيات.