("لَوْ" حَرْفُ امْتِنَاعٍ لِامْتِنَاعٍ)، (لَوْ) من الحروف المهمة التي يذكرها الأصوليون والفقهاء في هذا المقام، وفيها خلاف طويل.
(حَرْفُ امْتِنَاعٍ لِامْتِنَاعٍ) هذا القول قدمه المصنف رحمه الله تعالى لأنه أشهر الأقوال، وهو الذي يسلكه المعرِبون في تعاريبهم، إذا أعربوا "لو" قالوا: حرف امتناع لامتناع، وهو قول أكثر العلماء.
امتناع ماذا؟ امتناع الثاني لامتناع الأول، يعني: امتناع الجواب لامتناع الشرط؛ لأن لو هذه حرف شرط لكنها لا تعمل، وحينئذٍ تفيد ماذا؟ تفيد امتناع لامتناع، امتناع ماذا؟ ﴿امْتِنَاعِ الثَّانِي لاِمْتِنَاعِ الأَوَّلِ، فَقَوْلُك: لَوْ جِئْتَنِي لأَكْرَمْتُكَ﴾ امتناع وانتفاء الإكرام لانتفاء المجيء، هذا الذي يفهم.
امتناع الثاني لامتناع الأول، هل وقع الإكرام؟ لم يقع؛ لأنه معلل من حيث الوجود والإيقاع بمجيء زيد، لو جئتني أكرمتك، إن لم تأتني فلا إكرام .. ليس لك شيء.
﴿دَالٌّ عَلَى انْتِفَاءِ الإِكْرَامِ﴾ الذي هو الجواب ﴿لاِنْتِفَاءِ الْمَجِيءِ﴾.
يعني: أفاد أنه ما حصل المجيء ولا الإكرام، وهذه عبارة أكثر المُعرِبين وظاهرها غير صحيح، هكذا قال الزركشي في تشنيف المسامع وفي البحر المحيط، وظاهرها غير صحيح؛ لأنها تقتضي كون جواب "لوط ممتنعاً غير ثابت دائماً، يعني: امتناع لامتناع، امتناع الثاني .. الجواب، لامتناع الأول.
إذاً: يفهم من هذا التعبير: أن الثاني .. الجواب دائماً يكون ممتنعاً، وليس الأمر كذلك، بل قد يكون ممتنعاً وقد لا يكون ممتنعاً، فحينئذٍ صار في الجملة شيء من الخلل، وذلك غير لازم.
قال: ﴿وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ﴾ يعني: على هذا التعبير ﴿بِأَنَّ جَوَابَهَا قَدْ لاَ يَكُونُ مُمْتَنِعًا﴾ بل يثبت كما ذكرنا، يعني: في بعض المواضع، كقولك لطائر: لو كان هذا إنساناً لكان حيواناً، طائر: لو كان هذا إنساناً لكان حيواناً، أين الشرط؟ المقدم: لو كان إنساناً، لكان حيواناً. طيب! الطائر هل هو إنسان؟ لا. انتفت إنسانيته، لكن هل انتفت حيوانيته؟ الجواب: لا.
إذاً: لكان حيواناً، هو الجواب، ولم يمتنع مع كون الأول .. كونه إنساناً ممتنعاً.
إذاً: لو كان هذا إنساناً لكان حيواناً فإنسانيته منتفية، يعني: محكوم بامتناعها، وحيوانيته ثابتة، فلك أن تأخذ بقاعدة أخرى وهي: أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، يعني: عدم صدق الأخص وهو الإنسان على الطائر لا يلزم منه نفي الأعم وهو الحيوان؛ لأنه وإن انتفى عنه أنه إنسان إلا أنه حيوان، هذا مثال اعتُرض به على هذا التعبير السابق.
كذلك قوله صلى الله عليه وسلم، قال: ﴿بِمَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ﴾ على خلاف في ثبوته لكن المراد هنا المثال.
﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ: إنَّهُ شَدِيدُ الْحُبِّ لِلَّهِ لَوْ كَانَ لاَ يَخَافُ اللَّهَ مَا عَصَاهُ﴾.
ولا شك أن عدم المعصية محكوم بثبوته؛ لأنه إذا كان ثابتاً على تقدير عدم الخوف فالحكم بثبوته مع تقدير ثبوت الخوف أولى، يعني: انتفت المعصية وهو لا يخاف الله، فكيف إذا خاف الله؟ فهو من باب أولى وأحرى.