لكن يرد السؤال هنا: عدم الجمع، هل هو من جهة اللغة أو من جهة الشرع؟ من جهة الشرع. والبحث هنا في اللغة أو في الشرع؟ في اللغة، حينئذٍ ﴿تَزَوَّجْ هِنْدًا أَوْ أُخْتَهَا﴾ اللغة لا تمنع، وإنما الذي يمنع الشرع.
ولذلك سوى بعض النحاة كغيرهم من الأصوليين بين الإباحة والتخيير وقال: لا فرق بينهما البتة؛ لأن الموجب بعدم الجمع في التخيير هو الشرع هنا، وأما: خُذْ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا، هذا مرده إلى العرف، هذا أو ذاك، يعني: إذا أعطى شخصٌ شخصاً قال: خذ هذا أو ذاك، العرف يتبادر إلى أنه أراد واحداً منهما، وهذا مرده إلى العرف.
إذاً: ما كان عدم الجمع فيه مرجعه إلى العرف أو إلى الشرع فهو خارج عن مدلول اللغة، وليس هذا البحث فيه.
﴿وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ((فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ))﴾ هذا فيه عدم الجمع، لكن هذا كذلك دليل شرعي، الله عز وجل إنما أوجب واحداً، وهذا الواجب المخير كما سيأتي بيانه، فحينئذٍ نقول: هذا من جهة الشرع .. عدم الجمع هذا معلوم من جهة الشرع لا من جهة اللغة.
﴿وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: امْتِنَاعُ الْجَمْعِ فِي التَّخْيِيرِ، وَجَوَازُهُ فِي الإِبَاحَةِ﴾.
على المشهور عند النحاة، وتبعهم كثير من الأصوليين.
قال بعضهم –وهذا أورده في التحرير ولم يوره في الشرح-، قال بعضهم: والظاهر أنهما قسم واحد؛ لأن حقيقة الإباحة هي التخيير، أباح الشيء: خيّر بينهما، خيّر بينهما: أباح له فعل واحد منهما أو هما، وإنما امتنع: خذ ديناراً أو درهماً للقرينة العرفية -يعني: عرف الناس- لا من مدلول اللفظ؛ لأن البحث في المدلولات، كما أن الجمع بين صحبة العلماء والزهاد وصف كمال لا نقص فيه، قال في شرح التحرير: وهو كما قال، قلت: وهو كما قال.
يعني: عدم الفرق بين الإباحة والتخيير هو المعتمد؛ لأن البحث في اللغة لا في الأعراف ولا في جهة ما يتعلق بالشرع، فالإباحة والتخيير بمعنى واحد.
(وَمُطْلَقِ جَمْعٍ) يعني: تأتي (أَوْ) كالواو. مر معنا أن الواو تأتي لمطلق الجمع يعني: القدر المشترك ولا تفيد ترتيباً ولا معية، يعني: ليست نصاً في واحد من هذه الأمور الثلاثة، إنما هي محتملة لهما على السواء، والذي يرجِّح هو القرينة الخارجة عن مدلول اللفظ.
هنا قال: (وَمُطْلَقِ جَمْعٍ) يعني: ﴿تَأْتِي﴾ (أَوْ) ﴿أَيْضًا لِـ﴾ (مُطْلَقِ جَمْعٍ) ﴿كَالْوَاوِ﴾ لأنها لمطلق الجمع، ﴿نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ((وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ))﴾ يعني: ويزيدون، وبعضهم مثَّل بها للإضرار كما سيأتي، يعني: بل يزيدون، أو تأتي بمعنى الواو وتأتي بمعنى بل، حينئذٍ إذا احتمل النص يحتاج إلى قرينة، لأن أو في أصل معناها للشك أو التشكيك، وإذا حملناها على معنى آخر حينئذٍ تأتي القاعدة السابقة: أنه تضمين حرف معنى حرف آخر، أو تضمين الفعل. هذا أو ذاك، فحينئذٍ نحتاج إلى قرينة تدل على أن "أو" لم تستعمل في معناها الأصلي، وإلا الأصل حمل اللفظ على مدلوله اللغوي.
﴿عَلَى رَأْيِ الْكُوفِيِّينَ﴾ أن أو تأتي لمطلق الجمع كالواو.