قال: ﴿أَيْ: الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ التَّرْتِيبِ وَالْمَعِيَّةِ، عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَكْثَرِ النُّحَاةِ﴾ يعني: تفيد الجمع دون نظر إلى ترتيب أو معية، بل المعاني حينئذٍ تكون ثلاثة مع إفادة الجمع: إما أنها جمع مع الترتيب، أو أنها جمع مع معية، وإما المراد بها الجمع فحسب، ولذلك أورد ابن هشام وغيره أنه إذا قيل: جاء زيدٌ وعمروٌ احتمل ثلاث معان: إما أنهما جاءا معاً .. المعية فقط دون ترتيب، أو على الترتيب الظاهر: جاء زيدٌ وعمروٌ، يعني: زيدٌ أولاً ثم عمرو، أو العكس: عمرو أولاً ثم زيد، فالاحتمالات إنما تكون ثلاث، هذا من حيث إطلاق الجملة، ولكن إذا دلت قرينة على أن الأول أولاً حينئذٍ اعُتمد، وعلى العكس، وعلى أنهما معاً.
إذاً: (لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ) أي: لا تدل على ترتيب ولا معية من حيث هي، وإنما يُحتاج كالتنصيص في ذلك على القرينة الخارجة، فالواو العاطفة حينئذٍ: حرفٌ يجمع .. -لا بد من الجمع، وهذا هو معنى العطف- .. يجمع المتعاطفين تحت حكم واحد، ولذلك هي تفيد التشريك في الإعراب وفي المعنى، تقول: جاء زيد وعمرو، عمرو هذا معطوف على زيد، أفادت الواو هنا تشريكَ عمرو مع زيد في ماذا؟ أولاً: في الحكم الذي هو الإعراب، وثانياً: في المعنى وهو إثبات المجيء لعمرو كما أُثبت لزيد، وأما أيهما أول وأيهما آخر؟ فهذا لا تدل عليه الواو البتة، وهذا المراد بمطلق الجمع.
قال: ﴿أَيْ: الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ التَّرْتِيبِ وَالْمَعِيَّةِ، عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَكْثَرِ النُّحَاةِ، وَهِيَ تَارَةً تَعْطِفُ الشَّيْءَ عَلَى صَاحِبِهِ﴾ مقارنه .. ملازمه ﴿كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ((فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ))﴾ كانوا معاً.
﴿وَعَلَى سَابِقِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ))﴾ نوح أول ثم إبراهيم.
﴿وَعَلَى لاحِقِهِ﴾ العكس ﴿كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ((كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِك))﴾ الذين من قبله سابقون وهو لاحق، هنا قُدِّم اللاحق على السابق.
﴿فَعَلَى هَذَا إذَا قِيلَ: "قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو" احْتَمَلَ ثَلاثَةَ مَعَانٍ﴾ على التفصيل الذي ذكرناه سابقاً.
﴿الْمَعِيَّةَ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَكْثَرِ النُّحَاةِ وَالتَّرْتِيبَ، وَعَدَمَهُ﴾ الترتيب وعدمه يعني: محتملة، يعني: الواو لا تنافي الترتيب، هذا المراد، وحينئذٍ "الترتيب وعدمه" يعني: تحتمل الترتيب وتحتمل عكس الترتيب، وحينئذٍ لا يقال بأن الواو لا تفيد الترتيب، لا، قد تفيد الترتيب، لكن يدل على ذلك شيء خارج عن اللفظ، فليس هنا كلامه متعارضاً مع ما سبق، وحينئذٍ نقول: ﴿احْتَمَلَ ثَلاثَةَ مَعَانٍ: الْمَعِيَّةَ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ﴾ وهذا مأخوذ من كونها عاطفة.
﴿وَالتَّرْتِيبَ، وَعَدَمَهُ﴾ يعني: عدم الترتيب، فيجوز أن يراد الترتيب، ويجوز أن لا يراد الترتيب، فالصور ثلاثة.