إذاً: هذا جمع بين القولين بأن في القرآن ما هو ألفاظ وهي معدودة، ألفاظ معدودة في أصلها لم تضعها العرب، وإنما هي من لغة العجم، كيف دخلت؟ لا شك أن العرب كان فيهم من هو من التجار يذهب ويأتي، وحينئذٍ وقعت بعض الألفاظ في لسان العرب وهي معدودة بكثرة استعمالها صارت مشتهرة عندهم، ولها رواجها، نزل القرآن وتضمن بعض هذه الكلمات ولا إشكال فيه، وحينئذٍ كونه قرآناً عربياً لا يمنع أن يكون فيه بعض الألفاظ التي لا تتجاوز الثلاثين تكون من غير لسان العرب، فليس تعارض بين الآية وبين إثبات المعرَّب، لو قيل بأن المعرَّب مئات الكلمات الموجودة في القرآن قيل: بأنه هذا معارض لقوله: عربياً، وأما إذا قيل بأنه كلمات معدودة يسيرة هذا لا يخرجه عن كونه عربياً.
ومال إلى هذا القول -الجمع بين القولين- الجواليقي وابن الجوزي، ومثلوا لذلك بـ: مشكاة وهي موجودة في القرآن وهي هندية، وقسطاط رومية، واستبرق وسجيل فارسية.
إذاً: الوقوع دليل الوجود، يعني: ما وقع في القرآن بأنه معرَّب وجيء بالأمثلة هذا يدل على أن المعرَّب موجود في القرآن.
وتتبع التاج السبكي ما وقع في القرآن من ذلك فوجدها سبعاً وعشرين لفظاً ذكرها في شرح مختصر ابن الحاجب ونظمها، وزاد السيوطي في الإتقان عليها، وزاد عليها الحافظ ابن حجر في الفتح -الجزء الثامن صفحة مائتين وثلاثة وخمسين- أربعاً وعشرين لفظة، زاد على ما ذكره السبكي.
كذلك نظمها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، وزاد السيوطي في الإتقان عليهما -على السبكي وعلى ابن حجر - وأوصلها إلى الأربعين أو أزيد، وزاد كذلك في التحرير خمس كلمات.
على كلٍ؛ لن تصل إلى الخمسين، وبعضها فيها نقاش.
إذاً: إثبات المعرَّب بهذا العدد اليسير في القرآن لا يخرج القرآن عن كونه عربياً، وخاصة إذا ثبت ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
ثم اعلم أن محل الخلاف في مفرد غير علم، وأما العلم فمستثنى، ولذلك قال: (وَلَيْسَ فِيهِ غَيْرُ عَلَمٍ) أما الأعلام فهي موجودة بالاتفاق.
قال في شرح التحرير: اتفق العلماء على أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العربية، ليست ألفاظاً، المراد أساليب، التراكيب يعني. وأن فيه أعلاماً بغير العربية، هذا متفق عليه، وإنما محل الخلاف في ألفاظ مفردة غير أعلام وهي أسماء الأجناس.
إذاً: المعرَّب على ما سبق: المصنف رحمه الله تعالى يرى أنه ليس في القرآن مطلقاً، والصحيح أنه موجود بالاعتبار السابق الذي ذكره أبو عبيد.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَمَجَازٌ رَاجِحٌ أَوْلَى مِنْ حَقِيقَةٍ مَرْجُوحَةٍ) وقيل: هي ما لم تهجر، هذه مسألة تعارض الحقيقة والمجاز إلى أربعة أقسام، تنقسم إلى أربعة أقسام: