الشارع إذا قال: الصلاة بمعنى الدعاء، "وَصَلِّ عَلَيْهِمْ" إذا قيل المراد به الدعاء صار مجازاً، وإذا قيل: الصلاة .. أَقِيمُوا الصَّلَاةَ العبادة المخصوصة صار حقيقة، هذا مراده بهذه المسألة.
(وَقَدْ تَصِيرُ الْحَقِيقَةُ – اللغويةُ - مَجَازًا وَبِالْعَكْسِ) وهنا مثَّل بالعُرفية، ﴿وَهِيَ وَضْعُ الدَّابَّةِ لِكُلِّ مَا دَبَّ﴾ إذا استعمل اللُّغوي الدابة لكل ما دب حينئذٍ نقول: هذا استعمال حقيقي، إذا استعمله في ذوات الحافر فقط نقول: هذا مجازي باعتبار نفسه. أصحاب العرف وأهل العرف إذا استعملوا الدابة في كل ما يدب على الأرض هذا مجازي، إذا استعملوها في ذوات الحوافر .. له رجلان صار ماذا؟ صار حقيقة، إذاً: اللفظ الواحد يصير حقيقة ومجازاً باعتبارين.
قال: (وَالْمَجَازُ) هذا النوع الثاني المقابل للحقيقة، يعني: الدلالة باللفظ إما حقيقة وإما مجاز، سبق الكلام على الحقيقة.
قال: (وَالْمَجَازُ) المجاز أصله من حيث الوزن مَفْعَل، مأخوذ من الجواز وهو العبور والانتقال، جاز الطريق يعني: عبره وانتقل، جاز البحر يعني: عبره، فالمجاز أصله مجوز على وزن مفعل، مجْوَز، لكن الذي سمع في لسان العرب مجاز، وحينئذٍ لا بد من الرجوع إلى الأصل وتعليله، فنقول: مَجْوَز .. مجاز، أريد قلب الواو ألفاً، ولا تقلب الواو ألفاً إلا إذا تحركت وانفتح ما قبلها، وهنا تحركت ولم ينفتح ما قبلها، إما أن نقول -وهو أسلم- أنه اكتفاء بجزء العلة فقلبت الواو ألفاً، وهذا لا إشكال فيه، أو نقول: نُقلت حركة الواو إلى ما قبلها، صارت الجيم محركة، وحينئذٍ لنا نظران: قبل النقل وبعد النقل، نقول: تحركت الواو قبل النقل، وفتح ما قبلها بعد النقل فقُلبت ألفاً.
﴿فَأَصْلُهُ مَجْوَزٌ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ, نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ إلَى الْجِيمِ, فَسَكَنَتْ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا وَهُوَ الْجِيمُ، فَانْقَلَبَتْ الْوَاوُ أَلِفًا عَلَى الْقَاعِدَةِ﴾ ليس على القاعدة إلا بالنظرين، أو على جزء القاعدة ﴿فَصَارَ مَجَازًا﴾.
ثم إذا كان مجاز على وزن مفعل، معلوم أن مفعل في اللغة قد يكون مصدراً، وقد يكون اسم مكان، وقد يكون اسم زمان، يعني: يأتي ويُراد به هذا أو ذاك أو ذاك، والذي يُميز هذه المعاني الثلاث هو السياق، فحينئذٍ المجاز بالمعنى الاصطلاحي الآتي تعريفه: إما مأخوذ من المصدر أو من اسم المكان لا من اسم الزمان، لماذا؟ لعدم العلاقة فيه بخلافهما، يعني المصدر ثَمَّ علاقة، والمكان ثَمَّ علاقة، أما الزمن فليس بينهما علاقة البتة، وحينئذٍ لا يكون مأخوذاً من اسم الزمان.
﴿فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ الْمَصْدَرِ فَهُوَ مُتَجَوِّزٌ بِهِ إلَى الْفَاعِلِ لِلْمُلاَبَسَةِ, كَعَدْلٍ بِمَعْنَى عَادِلٍ, أَوْ مِنْ الْمَكَانِ لَهُ, فَهُوَ مِنْ إطْلاَقِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَفِيهِ تَجَوُّزٌ آخَرُ, لأنَّ الْجَوَازَ حَقِيقَةٌ لِلْجِسْمِ لاَ لِلَّفْظِ﴾ فكيف يقال بأن اللفظ مجاز، هل اللفظ يجوز بنفسه؟ الجواب: لا، وحينئذٍ استعماله في المعاني هذا مجاز.