قال الطوفي -وهو الصواب في هذه المسألة-: والصحيح المختار أن للترجيح مدخلاً في كل المذاهب من حيث الإجمال والتفصيل إذا دل عليه الدليل.
قال: ثم إن الترجيح في المذاهب واقعٌ بالإجماع. يعني: هذا أمر واقع، إنكاره رفعٌ لما وقع، وهو دليل الجواز قطعاً.
قال: وهذا ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الترجيح بين المذاهب واقعٌ.
إذاً: الصواب أنه يصح أن يقال: مذهب الإمام أحمد أحسن وأولى من مذهب أبي حنيفة، أو مذهب الشافعي أولى من مذهب مالك على جهة الكمال.
قال: (وَلَا بَيْنَ عِلَّتَيْنِ إلَّا أَنْ تَكُونَ كُلُّ مِنْهُمَا طَرِيقًا لِلْحُكْمِ مُنْفَرِدَةٍ).
يعني: لا يرجّح بين علتين، إلا إذا كانت كل عِلَّة واحدة منها إذا انفردت استقلت بالحكم، حينئذٍ يصح الترجيح.
(وَلَا بَيْنَ عِلَّتَيْنِ إلَّا أَنْ تَكُونَ كُلُّ مِنْهُمَا طَرِيقًا لِلْحُكْمِ مُنْفَرِدَةٍ) ﴿قَالَهُ فِي التَّمْهِيدِ وَغَيْرِهِ؛ وَذَلِكَ لأَنَّهُ لا يَصِحُّ تَرْجِيحُ طَرِيقٍ عَلَى مَا لَيْسَ بِطَرِيقٍ﴾.
لأن إحدى العلتين إذا كانت طريقاً والأخرى ليست بطريق، لا يصح أن يُرجّح ما ليس بطريقٍ على ما هو طريق. فيُنظر في العِلَّة هل تثمر الحكم الشرعي أو لا؟ إن كان كذلك قُدِّمت على غيرها، فترجّح هذه العِلَّة على غيرها.
﴿وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَقَعُ التَّرْجِيحُ إنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ طَرِيقًا قَبْلَ ثُبُوتِهِ﴾.
قال رحمه الله تعالى -أراد أن يعرِّف الرجحان، أولاً عرَّف الترجيح وهو التقوية، الآن الرُّجحان- قال: (وَرُجْحَانُ الدَّلِيلِ: كَوْنُ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْهُ أَقْوَى) ﴿مِنْ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ غَيْرِهِ﴾ يعني: كالمستفاد من قياس العِلَّة .. الظن المستفاد من قياس العِلَّة ليس كالظن المستفاد من قياس الشبه، الظن الذي أفاده قياس العِلَّة هذا متفقٌ عليه عند من قال بالقياس، هذا لا شك أنه يثمر ظناً لا يثمره قياس الشبه؛ لأن قياس الشبه مختلفٌ فيه أولاً، ثم الوصف مختلفٌ فيه: أيُّ النوعين هو؟
وكذلك من الخاص بالنسبة للعام .. الظن المستفاد من الخاص لا شك أنه ليس كالمستفاد من العام.
قال هنا: (وَرُجْحَانُ الدَّلِيلِ) ما المراد به؟
(كَوْنُ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْهُ أَقْوَى) {مِنْ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّرْجِيحَ: فِعْلُ الْمُرَجِّحِ} وأما الرُّجحان -رجحان الدليل-: فهو صفة للدليل، إذاً: فرقٌ بين شيئين: الترجيح وبين الرجحان، رجحان الدليل هذا وصفٌ للدليل، والترجيح هذا فعلُ المجتهد. فرقٌ بينهما.
قال: ﴿وَأَمَّا رُجْحَانُ الدَّلِيلِ: فَهُوَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ﴾ يعني: بالدليل ﴿أَوْ مُضَافَةٌ إلَيْهِ﴾ مسندة إليه ﴿وَيَظْهَرُ﴾ لك الفرق بينهما ﴿فِي التَّصْرِيفِ، تَقُولُ: رَجَّحْتُ الدَّلِيلَ تَرْجِيحًا﴾ رجَّحت أنا .. أسندتَه إلى نفسك.
﴿رَجَّحْتُ الدَّلِيلَ تَرْجِيحًا فَأَنَا مُرَجِّحٌ، وَالدَّلِيلُ مُرَجَّحٌ، وَتَقُولُ: رَجَحَ الدَّلِيلُ رُجْحَانًا، فَهُوَ رَاجِحٌ. فَأَسْنَدْت التَّرْجِيحَ إلَى نَفْسِك إسْنَادَ الْفِعْلِ إلَى الْفَاعِلِ﴾ رَجَّحْتُ.