تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لو وقفنا على ظاهر النص ولم نؤوله لجاءت عندنا هذه قاعدة، لكنها قاعدة باطلة لا تصح؛ لأن هذا الحديث أولاً فيه كلام، وإن كان تلقاه أهل العلم بالقبول، لكن ليس المراد هنا عند التعارض، ولذلك قال: يَبحث أولاً في كتاب الله ولم يتعرض إلى أنه وقع تعارض بين السنة والكتاب، وإنما هو زائدٌ على النص.

حينئذٍ أول ما يبحث الناظر يبحث في الكتاب، فإن لم يجد حينئذٍ يبحث في السنة، وليس فيه تعرُّض إلى أنه حصل تعارض فقدَّم الكتاب على السنة، فيُحمل حينئذٍ حديث معاذ هنا على حُكمٍ ليس بينهما تعارض.

ثم ما هو أقوى من ذلك نقول: إجماع الصحابة على التخصيص -تخصيص العام-، وعلى تقييد المطلق، ولم يُلتفت إلى كون هذا من الكتاب أو من السنة.

فعملُ الصحابة وهو مجمعٌ عليه أن الكتاب إذا كان عاماً خُصَّ بالسنة، والعكس بالعكس، وكذلك المطلق لو كان من الكتاب أو من السنة خصَّ من السنة أو من الكتاب.

إذاً: كلٌ منهما يخصِّص الآخر وكلٌ منهما يقيِّد الآخر، يُجمَع بين الدليلين، وعملُ الصحابة قائمٌ على هذا.

إذاً: يجاب أولاً: بأن النص هنا -حديث معاذ- لا يدل على التعارض، وإنما يدل على أن البحث في مسألة لا يعلم فيها معارض ينظر في الكتاب، ثم ينتقل إلى السنة، وأما مسألة التعارض فهذه تؤخذ من دليلٍ منفكٍ.

{وَقِيلَ: تُقَدَّمُ السُّنَّةُ عَلَى الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ((لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ)).

وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَحْرِ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، مَعَ قَوْلِه تَعَالَى وَتَقَدَّسَ: ((قُلْ لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ))} خنزيرُ البحر هل هو مباح أو لا؟

قال: ﴿فَكُلٌّ مِنْ الآيَةِ وَالْحَدِيثِ: يَتَنَاوَلُ خِنْزِيرَ الْبَحْرِ﴾ لأنه قال: <<الحلُّ ميتته>> دخَل فيه الخنزير.

قال هنا: ((أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ)) أطلق، شمِل خنزير البحر، إذاً: تعارضا.

{فَيَتَعَارَضُ عُمُومُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةُ فِي خِنْزِيرِ الْبَحْرِ فَقَدَّمَ بَعْضُهُمْ الْكِتَابَ فَحَرَّمَهُ، وَقَالَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادِ.

وَبَعْضُهُمْ قَدَّمَ السُّنَّةَ فَأَحَلَّهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ}.

يعني: أراد أن يمثِّل كمثال فيما تعارض فيه عامَّان.

قال: (فَإِنْ تَعَذَّرَ وَعُلِمَ التَّارِيخُ).

﴿فَإِنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَعُلِمَ التَّارِيخُ بِأَنْ عُلِمَ السَّابِقُ مِنْهُمَا﴾.

(فَالثَّانِي نَاسِخٌ) ﴿لِلأَوَّلِ﴾.

(إنْ قَبِلَهُ) ﴿أَيْ: قَبِلَ النَّسْخَ﴾.

يعني: كان مدلُوله قابلاً للنسخ؛ لأنه قد يتعارض خبر مع خبر، ومر معنا أن النسخ لا يدخل الأخبار.

يعني مُراده هنا: بشرط تحقُّقِ النسخ.

قال: (وَإِنْ اقْتَرَنَا خُيِّرَ).

هذا إن تُصوِّر، وهو لا يُتصور. (إِنْ اقْتَرَنَا) في وقتٍ واحدٍ، يعني: في زمن واحد، حينئذٍ ماذا يصنع المجتهد؟ قال: (خُيِّرَ).

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ١٨٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ١٨٤٠