يعني: هذه الصورة بعينها -الكلام في الصورة بعينها- دل الدليل الأول على المنع منها، ودل الدليل الآخر على جوازها. وحينئذٍ نقول: الصورة الواحدة اتفق الدليلان على أنه لو أخذنا بالأول امتنع الثاني، ولو أخذنا بالثاني امتنع الأول. ولا يمكن أن يُعمل بهما في وقتٍ واحدٍ من جهة واحدة.
قال: ﴿إذَا كَانَ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ: يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَالدَّلِيلُ الآخَرُ: يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ. فَدَلِيلُ الْجَوَازِ: يَمْنَعُ التَّحْرِيمَ، وَدَلِيلُ التَّحْرِيمِ: يَمْنَعُ الْجَوَازَ﴾ إذاً: محرَّم مباح في وقتٍ واحد يمكن؟ نقول: لا يمكن.
﴿فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُقَابِلٌ لِلآخَرِ، وَمُعَارِضٌ لَهُ، وَمَانِعٌ لَهُ﴾.
يعني: مانعٌ من أن ينزَّل مدلول هذا النص على هذه الواقعة.
﴿وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ قَوْمٍ: مَنْعَ تَعَارُضِ عُمُومَيْنِ بِلا مُرَجِّحٍ﴾.
أنه لا وجود له، والصواب أنه موجود.
﴿وَقَدْ خَصَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى نَهْيَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: <<مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا>>﴾ هذا تقابُل بين عامين، فلا بد من الجمع بينهما، حصل التعارض.
﴿وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَالْمُوَفَّقُ وَالشَّافِعِيَّةُ تَعَارُضَهُمَا؛ لأَنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ وَخَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ﴾.
وهذا مر معنا <<لا صلاة بعد الصبح>>، ثم قال: <<من نام عن صلاة أو نسيها>> هذا عامٌ في كذا وهذا خاصٌ في كذا ومر معنا.
هذا ما يتعلق بالتعارض.
(وَالتَّعَادُلِ) المصنف يرى فرق بين التعارض والتعادل، وبعضهم يرى أن كلاً منهما بمعنى الآخر.
قال: ﴿وَأَمَّا﴾ (التَّعَادُلُ) ﴿فَهُوَ﴾ (التَّسَاوِي).
عدلتُ بالشيء بالشيء أعدِله عُدولاً إذا ساويته به.
التعادل المراد به التساوي، وأما ما سماه بالتعارض فهو ليس بينهما تساوٍ.
قال: فهو (التَّسَاوِي).
قال: (لَكِنْ تَعَادُلُ قَطْعِيَّيْنِ مُحَالٌ).
إذاً: سيفصِّل الآن بين التعادل والتساوي.
تعادُل دليلين كلٌ منهما قطعي هذا محال لا وجود له.
وقال: ﴿اتِّفَاقاً﴾ فلا ترجيح.
قال: ﴿سَوَاءٌ كَانَا﴾ أي: الدليلان.
﴿عَقْلِيَّيْنِ﴾ كلٌ منهما قطعي، تعارُض في العقليات.
﴿أَوْ نَقْلِيَّيْنِ﴾ تعارُض بين إجماع قطعي وإجماع قطعي.
﴿أَوْ أَحَدُهُمَا عَقْلِيًّا، وَالآخَرُ نَقْلِيًّا﴾ هذا لا وجود له.
﴿إذْ لَوْ فُرِضَ ذَلِكَ لَزِمَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ أَوْ ارْتِفَاعُهُمَا﴾ إما هذا أو ذاك.
﴿وَتَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ مُحَالٌ، فَلا مَدْخَلَ لِلتَّرْجِيحِ فِي الأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ؛ لأَنَّ التَّرْجِيحَ فَرْعُ التَّعَارُضِ، وَلا تَعَارُضَ فِيهَا، فَلا تَرْجِيحَ﴾.
هذه القاعدة هنا: أن الترجيح فرع التعارض.