ولذلك ذكر العز بن عبد السلام: أن من لا يكون متحرِّراً لأنه مقلِّد لأرباب المذاهب، قال: هؤلاء نقَلةُ فقهٍ لا فقهاء، وهذه كلمة تبيِّن حقيقة المقلِّد لمذهب إمامه، أنه ناقل يعني: يفهم المسألة ويتصورها ويعرف دليلها ومأخذها، وقد يخرِّج وثَم طرق إلى آخره، ولكنه في دائرة ضيّقة حيث اتبع إمامه فقط دون غيره.
هؤلاء نقلةُ فقه لا فقهاء، وهو حقٌ.
قال: (وَمَا يُجِيبُ بِهِ الْمُقَلِّدُ عَنْ حُكْمٍ) وليس فتيا وإنما هو (فَإِخْبَارٌ عَنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ، لا فُتْيَا).
﴿قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقُ. وَتَقَدَّمَ النَّقْلُ عَنْهُمْ بِذَلِكَ﴾.
وهذه والله أعلم أنهم نصوا عليها لأنهم لا بد أن يُرقعوا المسألة السابقة، بمعنى أنهم قالوا: لا بد من الاجتهاد .. لا يفتي إلا مجتهد، ثم أجازوا لأصحاب المذاهب أن يُفتوا، إذاً: كيف يفتوا؟ هذا تناقض. قالوا: لا. هم نقلة فقهٍ، هم مخبِرون عن الحكم الشرعي، عن أئمتهم.
وكأن الذي أفتى هو أحمد أو الشافعي أو مالك أو أبو حنيفة، وهذا الوسيط يعتبر ناقلاً، ومر معنا أنه يجوز تقليد الأموات، إذاً: سلِمت المسائل كلها على وتيرة واحدة.
إذاً: قوله: (وَمَا يُجِيبُ بِهِ الْمُقَلِّدُ عَنْ حُكْمٍ فَإِخْبَارٌ عَنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ، لا فُتْيَا) لأنه لو سلَّم بأنه فُتيا لتناقض.
أنت صدَّرت الباب بماذا؟ (لا يُفْتِي إلَّا مُجْتَهِدٌ) ثم جوَّزت لأجل الضرورة؛ للضرورة يعني: كأكل الميتة.
للضرورة أن يفتي أرباب المذاهب، إذاً: كيف يُفتون وليسوا بمجتهدين على جهة الإطلاق؟ قال: لا. هؤلاء ليسوا بمفتين ولا نسمي إخبارهم فتوى وإنما هو نقْلٌ، وهذا واضح.
قال: (وَيُعْمَلُ بِخَبَرِهِ إنْ كَانَ عَدْلًا).
إذاً: فرَّعنا، هل يُعمل بخبره أو لا؟ هو مخبرٌ. قال: نعم.
(وَيُعْمَلُ بِخَبَرِهِ) ﴿أَيْ: بِخَبَرِ الْمُخْبِرِ﴾.
(إنْ كَانَ عَدْلًا) ﴿لأَنَّهُ نَاقِلٌ. كَالرَّاوِي﴾.
ثم قال: (وَلِعَامِّيٍّ تَقْلِيدُ مَفْضُولٍ).
العامي إذا وَجد من أن الأحياء من العلماء المجتهدين الذين يقلدهم وليسوا على درجة واحدة وهذا قطعاً، هل يُلزَم بأنه يأخذ الأعلم أو أنه يجوز أن يقلِّد المفضول ولو مع وجود الأعلم؟ قال: يجوز.
(وَلِعَامِّيٍّ تَقْلِيدُ مَفْضُولٍ) {مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمْ: الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ الرَّوْضَةِ، وَقَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ إنْ اعْتَقَدَهُ فَاضِلاً أَوْ مُسَاوِيًا، لا إنْ اعْتَقَدَهُ مَفْضُولاً} لأنه إن اعتقده مفضولاً هو مُلزمٌ من جهة الشرع بأنه يتَّبع الأكمل والأعلم، هذا هو الأصل فيه.
﴿لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْقَوَاعِدِ: أَنْ يُعْدَلَ عَنْ الرَّاجِحِ إلَى الْمَرْجُوحِ﴾.
يعني: قواعد الشريعة تدل في الجملة على: أن الراجح مقدمٌ على المرجوح، وأن المكلَّف مطالبٌ بالعمل بالراجح دون المرجوح.
هذا الأصل كقاعدة عامة وهو قدرٌ مشترك بين جميع العلوم وبين جميع الفنون والمسائل.