تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَذْهَبِ الْمُجْتَهِدِ مَنْ عَرَفَ مَذْهَبَهُ، وَقَامَ بِتَفْرِيعِ الْفِقْهِ عَلَى أُصُولِهِ، وَقَدَرَ عَلَى التَّرْجِيحِ فِي مَذْهَبِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ، فَإِنَّهُ حِينئذٍ يَصِيرُ كَإِفْتَاءِ الْمُجْتَهِدِ بِنَفْسِهِ.

فَالْمُجْتَهِدُ الْمُقَدَّمُ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ، وَهُوَ مَنْ يَسْتَقِلُّ بِتَقْرِيرِ مَذْهَبِهِ، وَيَعْرِفُ مَأْخَذَهُ مِنْ أَدِلَّتِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ، بِحَيْثُ لَوْ انْفَرَدَ لَقَرَّرَهُ كَذَلِكَ، فَهَذَا يُفْتِي بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِالْمَأْخَذِ} هذا الذي هو في الدرجة الثانية، الذي مر معنا.

﴿وَهَؤُلاءِ أَصْحَابُ الْوُجُوهِ﴾ يعني: والطرق الذين يخرِّجون على أقوال الأئمة.

﴿وَدُونَهُمْ فِي الرُّتْبَةِ﴾ الذي هو النوع الثالث {أَنْ يَكُونَ فَقِيهَ النَّفْسِ، حَافِظًا لِلْمَذْهَبِ، قَادِرًا عَلَى التَّفْرِيعِ وَالتَّرْجِيحِ، فَهَلْ لَهُ الإِفْتَاءُ بِذَلِكَ؟ أَقْوَالٌ: أَصَحُّهَا يَجُوزُ.

وَقَالَ الْقَفَّالُ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: مَنْ حَفِظَ مَذْهَبَ إمَامٍ أَفْتَى بِهِ.

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: يُفْتِي الْمُتَبَحِّرُ فِيهِ} يعني: في المذهب.

﴿وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي عَامِّيٍّ عَرَفَ حُكْمَ حَادِثَةٍ بِدَلِيلِهَا: يُفْتِي﴾ وهذا فاسد {أَوْ إنْ كَانَ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَهُوَ أَصَحُّ، وَفِيهِ أَوْجُهٌ.

وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: فَمَنْ أَفْتَى وَلَيْسَ عَلَى صِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ: فَهُوَ عَاصٍ آثِمٌ}.

لأنه قد أقدم على شيءٍ لم يؤذَن له من جهة الشرع.

إذاً: الأقوال السابقة كلُّها تشير إلى أنهم وإن قرروا أن الذي يُفتي هو المجتهد المطلق إلا أنه لتعذره عند بعضهم، ولقلَّته عند بعضهم -يعني: عِزَّتِه- فحينئذٍ من أتقن مذهباً وكان واحداً من الطبقات أو الدرجات الأربع السابقة، فله أن يُفتي ويجتمع في الأربعة أنه لأجل الضرورة.

قال هنا: ﴿فَمَنْ أَفْتَى وَلَيْسَ عَلَى صِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ: فَهُوَ عَاصٍ آثِمٌ﴾ لأنه قد أقدم على شيءٍ لم يُؤذن له من جهة الشرع.

وهو داخلٌ في قوله تعالى: ((وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)) [البقرة:169]، ((وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)) [الإسراء:36] هو داخلٌ فيه ولا شك.

فحينئذٍ يكون قد ارتكب مُحرَّماً، وهذا وجه كونه آثماً عاصياً وهو صحيح.

{وَظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ تَقْلِيدُ أَهْلِ الْحَدِيثِ.

قَالَ: سَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ الإِمَامَ أَحْمَدَ فِيمَنْ أَهْلُ مِصْرِهِ أَصْحَابُ رَأْيٍ} يعني: فقهاء وليس لهم اعتمادٌ على الحديث.

﴿وَأَصْحَابُ حَدِيثٍ لا يَعْرِفُونَ الصَّحِيحَ: لِمَنْ يَسْأَلُ؟ قَالَ: أَصْحَابَ الْحَدِيثِ﴾.

يعني: تقليد أصحاب الحديث أولى من تقليد أصحاب الرأي، ولكن هذا يُنظر فيه، أصحاب الحديث على مرتبتين: منهم من هم أهل فقهٍ، حينئذٍ لا إشكال فيه، وأما إن كان المراد به صاحب حديث أنه ينقل الحديث فقط فهذا لا.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ١٨٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ١٨٠٩