﴿قَالَ الطُّوفِيُّ: وَأَحْسَنُ مَا يُعْتَذَرُ بِهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الدَّلِيلانِ فَقَالَ بِمُقْتَضَاهُمَا عَلَى شَرِيطَةِ التَّرْجِيحِ﴾ على شريطة الترجيح عند السامع إن كان أهلاً.
﴿وَأَمَّا كَوْنُ الْمُجْتَهِدِ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي وَقْتَيْنِ: فَلأَنَّ اعْتِقَادَ ذَلِكَ فِي الْوَقْتَيْنِ لَيْسَ بِمُحَالٍ﴾.
نعم. أكثر أهل العلم .. الإمام الشافعي له قديم وله جديد، الإمام أحمد له عدة روايات في بعض المسائل، قديماً وحديثاً هذا لا ينفك عنه الإنسان، أنه يرى قولاً في وقتٍ ما، ثم يزداد علماً أو يتضح له شيء لم يتضح له سابقاً فيقول بخلافه.
قال: ﴿ثُمَّ لا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يُعْلَمَ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا، أَوْ لا﴾ أراد أن يبيِّن مذهب الإمام الآن، يريد أن يضيق الدائرة. أولاً الاجتهاد على جهة العموم.
الآن كيف نقرِّر بأن هذا مذهب زيد أو الأئمة الأربعة: مذهب حنيفة أو مالك أو الشافعي أو غيره .. إذا كان له قولان أو أكثر، كيف نقرر؟
قال رحمه الله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يُعْلَمَ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا، أَوْ لا﴾ يعني: من القولين.
(فَإِنْ عُلِمَ أَسْبَقُهُمَا) ﴿أَيْ: أَسْبَقُ الْقَوْلَيْنِ﴾ (فَالثَّانِي مَذْهَبُهُ).
قال في أول أمره: لا يجب، وقال في آخر حياته: يجب. وعلمنا أن الثاني متأخر والأول أسبق، أي القولين مذهبٌ للإمام؟ الثاني.
(فَالثَّانِي مَذْهَبُهُ) ﴿أَيْ مَذْهَبُ الْمُجْتَهِدِ الْقَائِلِ بِالْقَوْلَيْنِ (وَهُوَ نَاسِخٌ) لِقَوْلِهِ الأَوَّلِ عِنْدَ الأَكْثَرِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الرُّجُوعِ عَنْهُ﴾.
وهو واضح أنه ناسخ يعني: رافع .. رفَعَه، والنسخ المراد به المعنى اللغوي، وإلا النسخ الشرعي: خطاب بخطاب وليس عندنا خطاب بخطاب هنا، وإنما عندنا قولٌ بقولٍ وهو منسوبٌ إلى بشرٍ.
﴿قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إذَا رَأَيْتُ مَا هُوَ أَقْوَى أَخَذْتُ بِهِ، وَتَرَكْتُ الْقَوْلَ الأَوَّلَ﴾.
هذا الأصل فيمن أراد الاتباع؛ لأن الإنسان بطبيعته يزداد علماً ويزداد فهماً ويزداد ذكاءً، هذا الأصل فيه. الفهمُ كسبيٌ يزداد، والحفظ كسبيٌ يزداد، وكذلك النظر والتدبُّر .. هذه كلها أمورٌ مكتسبة يعني: تزداد، إنسان قبل عشرين سنة واليوم، هذا بينهما تفاوت.
حينئذٍ قد ينظر إلى لمسألة قديماً وينظر لها حديثاً، يقول الإمام أحمد: ﴿إذَا رَأَيْتُ مَا هُوَ أَقْوَى﴾ يعني: ظهر لي بعد قولي السابق {أَخَذْتُ بِهِ، وَتَرَكْتُ الْقَوْلَ الأَوَّلَ.
وَقِيلَ: يَكُونُ الأَوَّلُ مَذْهَبَهُ أَيْضًا مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالرُّجُوعِ عَنْ الأَوَّلِ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ، كَمَنْ صَلَّى صَلاتَيْنِ بِاجْتِهَادَيْنِ إلَى جِهَتَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ أَخْطَأَ؛ وَلأَنَّ الاجْتِهَادَ لا يُنْقَضُ بِالاجْتِهَادِ}.
إذاً: إذا كان له قولان الإمام وعُلم أن الثاني متأخر عن الأول، فالمذهب المعتمد هو الثاني، وقيل: كلٌ منهما مذهبٌ له.