﴿عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ﴾ (وَمَعْنَاهُ فِي قَوْلٍ: أَنَّهُ مُوَافِقٌ، لا مُتَابِعٌ) يعني: موافَقة وليست متابعة.
هذا الأمر يعني: النظر فيه ليس فيه كبير فائدة. إذا قيل بأن شرع من قبلنا شرعٌ لنا، هل هو متابعة أو مجرد موافقة؟
نقول: ظاهر النصوص كما سيأتي أنه متابَعة وليس موافقة فحسب؛ لأن الموافقة لا يلزم منها المتابعة، لكن المتابعة يلزم منها الموافقة، ولعله فرَّق كذلك فيما سبق في أفعال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(وَمَعْنَاهُ فِي قَوْلٍ) إذاً: لم يرجِّح المصنف، ذَكر: (فِي قَوْلٍ) بمعنى أنه استوى عنده الخلاف.
﴿قَالَ الْقَاضِي: مِنْ حَيْثُ صَارَ شَرْعًا لِنَبِيِّنَا، لا مِنْ حَيْثُ صَارَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَهُ﴾.
يعني: نتابع وهو كذلك، نحن نتابع بما جاء به شرعُنا وأقرَّه يعني: سكت عنه، لم ينفه ولم يثبته. لكن ذِكْرُه لنا دل على أن فيه فائدة.
{قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ مُوَافِقٌ لا مُتَابِعٌ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَيْضًا وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ: أَنَّهُ شَرْعٌ لَمْ يُنْسَخْ، فَيَعُمُّنَا لَفْظًا}.
والصواب: أنه لا يُعمنا لفظاً وإنما أراد الباري جل وعلا أنه بذِكره وبالآيات الآتي ذِكرها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مأمورٌ باتباع الأنبياء، فحينئذٍ بهذا الأمر حصل متابعة ما ذكره. سيأتي.
﴿وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عَقْلاً، لِتَسَاوِي الأَحْكَامِ، وَهُوَ الاعْتِبَارُ الْمَذْكُورُ فِي قَصَصِهِمْ فَيَعُمُّنَا حُكْمًا﴾.
قال: (وَيُعْتَبَرُ فِي قَوْلٍ ثُبُوتُهُ قَطْعًا).
يعني: المسألة فيها نزاع عند المصنف: هل يُشترط أن يكون ثابتاً قطعاً؟
إن كان المراد بالقطع هنا أنه من جهة شرعنا، فلا إشكال في أنه يُشترط في ذلك.
وإن كان المراد أنه القطعي بما يقابل الظني فلو جاء بخبر واحد لا نقبل؟ لا.
إذاً قوله: (وَيُعْتَبَرُ) يعني: يُشترط .. الاعتبار هنا الشرط.
(فِي قَوْلٍ) يعني: لم يرجِّح المصنف (ثُبُوتُهُ قَطْعًا).
﴿قَالَ الْقَاضِي: وَإِنَّمَا يَثْبُتُ كَوْنُهُ شَرْعًا لَهُمْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ: إمَّا بِكِتَابٍ، أَوْ بِخَبَرِ الصَّادِقِ، أَوْ بِنَقْلٍ مُتَوَاتِرٍ﴾.
يعني: خبر الواحد فيه نظر. وهذا لا .. لا يُقبل.
إذاً قوله: (ثُبُوتُهُ قَطْعًا) إن كان المراد به الشرع ويدخل فيه خبر الآحاد لا إشكال فيه .. أنه لا بد؛ احترازاً عما جاء عن طريقهم: أخبار بني إسرائيل، والتوراة، والإنجيل ونحوها.
قال: (وَيُعْتَبَرُ فِي قَوْلٍ ثُبُوتُهُ قَطْعًا) إذاً: فيه تفصيل.
قال: ﴿فَأَمَّا الرُّجُوعُ إلَيْهِمْ، أَوْ إلَى كُتُبِهِمْ: فَلا﴾ هذا لا يصح.
وما جاء عندهم في التوراة والإنجيل أو أخبارِهم، هذا لا يُعتبر شرعاً لنا بإجماع .. لا خلاف فيه.
﴿وَقَدْ أَوْمَأَ أَحْمَدُ إلَى هَذَا، وَمَعْنَاهُ لابْنِ حَمْدَانَ. فَقَالَ: كَانَ هُوَ وَأُمَّتُهُ مُتَعَبَّدِينَ بِشَرْعِ مَنْ تَقَدَّمَ بِالْوَحْيِ إلَيْهِ فِي الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ، لا مِنْ كُتُبِهِمْ الْمُبَدَّلَةِ، وَنَقْلِ أَرْبَابِهَا، مَا لَمْ يُنْسَخْ﴾.
فإن نُسخ قلنا هذا ليس شرعاً لنا بالإجماع.