ولذلك قال المصنف: ﴿وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ هُنَا: مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْيَقِينِ وَالظَّنِّ﴾.
قال: (مُؤَثِّرٌ) يعني: القسم الأول من المناسب، وكما علمنا أنها ثلاثة أقسام أو أربعة:
(مُؤَثِّرٌ) هذا القسم الأول.
(مُؤَثِّرٌ) على زنة اسم فاعل بكسر الثاء.
(إِنْ اعْتُبِرَ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ) الاعتبار المراد به هنا أن الشرع علَّق به أحكاماً في بعض المواضع، ولذلك قلنا فيما سبق: بحسب شهادة الشرع له بالاعتبار.
متى يشهد له الشرع بالاعتبار؟ إذا رتب عليه حكماً، كما علمنا <<كل مسكرٍ حرام>> حينئذٍ التحريم هنا حكمٌ شرعي رتَّبه على الخمر لِعلَّة الإسكار.
إذاً نقول: هذا اعتبار. يعني: شهادة له بكونه مناسباً.
قال: (إِنْ اعْتُبِرَ) أي: من جهة الشرع، لا بد الاعتبار أن يكون من جهة الشرع، فالاجتهاد هنا لا محل له يعني: العقل والرأي لا يحكم بكون هذا معتبراً أو لا.
(بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ) حينئذٍ إذا كان كذلك فيكون المناسب مؤثراً.
يعني: يكون النوع الأول المناسب هو ما دل نصٌ أو إجماعٌ على اعتباره، لكن ذكر في الشرح أن المراد بالاعتبار هنا اعتبار العين في العين. يعني: عين الوصف في عين الحكم، والمراد بالعين هنا ما هو أخص من النوع والجنس؛ إذ الوصف قد يكون شخصاً عيناً، وقد يكون نوعاً، وقد يكون جنساً .. على التقسيم عند المناطقة.
حينئذٍ إذا اعتبر الشرع بنصٍ أو إجماعٍ عين الوصف في عين الحكم حكمنا عليه بكونه مؤثراً وهو أعلى الدرجات .. أقوى الأنواع من المناسِبات هو المؤثر؛ لأنه جاء التنصيص عليه: عين الوصف كالإسكار، وعين الحكم الذي هو التحريم.
قال: (مُؤَثِّرٌ إِنْ اُعْتُبِرَ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ).
قال: ﴿بِنَصٍّ كَتَعْلِيلِ الْحَدَثِ بِمَسِّ الذَّكَرِ﴾ <<من مس ذكره فليتوضأ>> هذا تعليلٌ وهو بنصٍ، وجاء التنصيص عليه؛ لأنه رتبه عليه على جهة .. <<من مس ذكره فليتوضأ>> نقول: هذا نوعٌ من أنواع دلالة الإيماء؛ لأنه رتَّب على الوصف حكماً بالفاء <<من مس ذكره فليتوضأ>> الفاء هذه فاء التعقيب والسببية، دلت على أن الأمر بالوضوء سببه وعلته مس الذكر. فحينئذٍ مس الذكر مطلقاً يعتبر ناقضاً من نواقض الوضوء وهو عِلته.
حينئذٍ مس الذكر هذا عين، بمعنى أنه وصفٌ لا أخص منه و<<فليتوضأ>> هذا إيجابٌ، وأوجب مطلق إيجاب، أو مطلق طلب، أو إيجاب خاص؟
إذا قلت: مطلق الطلب دخل فيه الندب، وإذا قلت: مطلق الوجوب دخل فيه وجوب الوضوء ووجوب الصلاة إلى آخره، وإذا قلت: وجوب خاص تعيَّن بالمذكور يعني: وجوب الوضوء فقط لا غير. هذا ما يسمى بعين الحكم.
هنا <<من مس ذكره>> عيَّن الوصف بمس الذكر، حينئذٍ ليس عندنا شيءٌ آخر أو فردٌ آخر يدخل تحت هذا الوصف، هذه الخصوصية.
قال: <<فَلْيَتَوَضَّأْ>> هذا أمرٌ بالوجوب أي: وجوب الوضوء، إذاً: وجوب غير الوضوء لا يدخل تحت هذا النوع، حينئذٍ عينٌ في عين، وهو ما يراد به عند المناطقة بالشخص في الشخص .. جزئي في جزئي، بخلاف النوع وبخلاف الجنس.
قال هنا: (أَوْ إجْمَاعٍ) يعني: ﴿كَتَعْلِيلِ وِلايَةِ الْمَالِ بِالصِّغَرِ﴾.