نقول: نحن ننظر إلى النص، فما دام أنه جاز أن يُعلِّل انتقاض الطهارة بعدة أسباب وهو مثال واحد صح التعليل بذلك.
قال: ﴿لأَنَّ مِنْ شَأْنِ كُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يُعَرِّفَ﴾.
قال الغزالي: لأن العلة الشرعية علامة ولا يمتنع نصبُ علامتين على شيءٍ واحد.
﴿لأَنَّ مِنْ شَأْنِ كُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يُعَرِّفَ، لا الَّذِي وُجِدَ بِهِ التَّعْرِيفُ، حَتَّى تَكُونَ الْوَاحِدَةُ إذَا عَرَّفَتْ فَلا تُعَرِّفُ الأُخْرَى؛ لأَنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا﴾.
والظاهر أن الحكم صحيح إلا أن التعليل عليل. يعني: يصح التعليل بعلتين ولكن ليس لكون العلة معرِّفة ولا يُشترط فيها التوافق والتناسب، وإنما لوجود الدليل الشرعي على ذلك.
فاللمس والبول والغائط والمذي مثلاً يثبت بكل واحدٍ منها الحدث، وهذا جاء النص به، والقصاص والردة يثبت بكلٍ منهما القتل.
وقوله: (وَيَجُوزُ تَعْلِيلُ صُورَةٍ بِعِلَّتَيْنِ وَبِعِلَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ).
أطلق المصنف هنا الحكم، وهو على إطلاقه. يعني: سواءٌ كان التعليل بعلتين متعاقبتين يعني: بالَ أوَّلاً ثم بعد ذلك نام؛ لأن الصور هنا صورتان: إما أن يوجدا معاً وإما أن يوجد أحدُهما بعد الأخرى.
الانفكاك: إذا وُجد السبب الأول ثم وُجد السبب الثاني هذا واضح، وأما إذا وجدت معاً، حينئذٍ هل هي علل متعددة أم أنها علّة واحدة؟ نقول: هي علل متعددة، لكن لم يُعلم أولها وآخرُها.
وإطلاق المصنف هنا على بابه يعني: سواءٌ كان التعليل بعلتين متعاقبتين أو معاً فالحكم واحد ولا فرق.
وقصر ابن الحاجب محل الخلاف في حال المعيّة، وأنه يجوز مع التعاقب قطعاً، والصواب أن الخلاف في النوعين.
قال رحمه الله تعالى: ﴿وَاسْتُدِلَّ لِلْقَوْلِ الأَوَّلِ -وَهُوَ الصَّحِيحُ- بِأَنَّ وُقُوعَهُ فِي الْخَارِجِ دَلِيلُ جَوَازِهِ، وَقَدْ وَقَعَ﴾ بل جاء بذلك النص.
﴿فَلِلْحَدَثِ عِلَلٌ مُسْتَقِلَّةٌ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَذْيِ، وَكَذَا لِلْقَتْلِ وَغَيْرِهِ﴾.
لأن إناطة الأحكام بها بوضع الشرع، ولا محذور في تعددها، وهذا واضحٌ بيّن.
﴿وَاعْتَرَضَ الآمِدِيُّ بِأَنَّ الْحُكْمَ أَيْضًا مُتَعَدِّدٌ شَخْصًا مُتَّحِدٌ نَوْعًا﴾.
يعني: القتل مثلاً هذا نوعه واحد، لكنه متعدد من حيث الشخص.
﴿وَلِهَذَا يَنْتَفِي الْقَتْلُ بِالرِّدَّةِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ بِإِسْلامِهِ. وَيَبْقَى الْقِصَاصُ، وَيَنْتَفِي الْقَتْلُ بِالْقِصَاصِ قَبْلَ إسْلامِهِ بِعَفْوِ الْوَلِيِّ، وَيَبْقَى الْقَتْلُ بِالرِّدَّةِ﴾ يعني: قد يوجد له سببان فينتفي أحدهما ويبقى الحكم.
يعني: لو قتل وهو مسلم ثم ارتد، حينئذٍ وجب قتله بسببين: السبب الأول الردة <<من بدّل دينه فاقتلوه>>، الثاني قصاصاً، لو أسلَم أسقط القتل.
إذاً: دل على أن القتل ليس هو واحدٌ، وإنما هو كذلك متنوعٌ، ولا إشكال فيه ولا اعتراض لهذا.
ولذلك قال: ﴿بِأَنَّ الْحُكْمَ أَيْضًا مُتَعَدِّدٌ شَخْصًا مُتَّحِدٌ نَوْعًا﴾ يعني: قتل.
﴿وَلِهَذَا يَنْتَفِي الْقَتْلُ بِالرِّدَّةِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ بِإِسْلامِهِ﴾.