شرط قوم في علة الحكم؛ إذ لم تكن حكمةً بل مظنةَ حكمةٍ أن تكون حكمتُها مطردة أي: كلما وجدت الحكمة وجد الحُكم، فإذا وجدت في محل بدون العلة ولم يوجد الحكم فيه سمي كسراً. وهذا الذي عناه المصنف (وُجُودُ الْحِكْمَةِ بِلَا حُكْمٍ).
علَّلنا السفر بالسفر؛ لحكمة المشقة.
إذاً: كلما وجدت المشقة وجدت أحكام السفر، صحيح؟ لا.
طيب هنا قال: (وُجُودُ الْحِكْمَةِ بِلَا حُكْمٍ) وُجدت المشقة ولم يترتب عليها الأحكام، هذا يسمى ماذا؟ قال: يسمى كسراً.
وجدت الحكمة بلا حكمٍ: مشقة في الحضر ولم يتبعها قصرٌ ولا فطرٌ ولا جمعٌ ولا مسحٌ ثلاثة أيام .. إلى آخره، هذا يسمى كسراً، لكن هذا قد يقال بأنه لا يتأتى إلا لمن جَعل الحكمة مناطاً للحُكم.
يعني: صحة التعليل بها، وأما إذا لم تُجعل كذلك فما علاقة الحكمة بالعلة؟
هم جعلوا ثَم فرقاً بين العلة والحكمة، ولا شك أن بينهما فرقاً، لكن إذا لم يكن ثم وصفٌ وصح ربط الحكم بالحكمة مع كونها ظاهرة منضبطة وصارت علة نُزّلت عليها أحكام العلة السابقة.
لكن إذا وجدت العلة ووجدت الحكمة، فحينئذٍ لا علاقة في الأصل بالحكمة مع العلة، قد توجد وقد لا توجد؛ لأنه لا يُشترط فيها الظهور بل قد تكون خفية، ولا يُشترط فيها الانضباط فقد تكون منتشرة.
ولذلك أكثر الأصوليين على أنه لا يصح التعليل بالحكمة.
إذاً: (وَالْكَسْرُ) قال: ﴿وَهُوَ﴾ (وُجُودُ الْحِكْمَةِ بِلَا حُكْمٍ) هذا يسمى كسراً.
قال هنا: والصحيح أن الكسر لا يبطل العلة، ودليله بما سبق من عدم التعليل بالحكمة.
والعلة السفر ولا نقض عليه.
قال في الروضة: والكسر غير لازم؛ لأن الحِكَمَ مما لا تنضبط بالرأي والاجتهاد فتعيَّن النظر إلى مرد الشارع في ضبط مقدارها.
إذاً: الكسر لا يتعلق بالعلة، وإنما يتعلق بالحكمة المترتبة على العلة، فإن انتفت الحكمة مع وجود الحكم لا يسمى كسراً، انتفى الحكم مع وجود العلة يسمى كسراً.
وسيأتي أن الكسر أوسع من ذلك.
(وَالْكَسْرُ) ﴿وَهُوَ﴾ (وُجُودُ الْحِكْمَةِ بِلَا حُكْمٍ) ﴿كَقَوْلِ حَنَفِيٍّ فِي عَاصٍ بِسَفَرِهِ: سَافَرَ﴾ أو سفرٌ ﴿فَيَتَرَخَّصُ كَغَيْرِ الْعَاصِي، ثُمَّ يُبَيِّنُ﴾ هنا الشاهد ﴿ثُمَّ يُبَيِّنُ مُنَاسَبَةَ السَّفَرِ بِالْمَشَقَّةِ﴾.
يعني: الأحكام المترتبة على السفر بالمشقة، وهي الحكمة.
﴿فَيُعْتَرَضُ﴾ عليه ﴿بِمَنْ صَنْعَتُهُ شَاقَّةٌ حَضَرًا لا يَتَرَخَّصُ إجْمَاعًا﴾.
فوُجدت الحكمة المشقة ولم يوجد الحكم، على كلٍ هذا يسمى كسراً، ولا نقض عليه لأن العلة هي السفر.
قال هنا: (وَالنَّقْضُ الْمَكْسُورُ نَقْضُ بَعْضِ الْأَوْصَافِ).
"نقض المكسور" إذاً: هذه واسطة بين النقض والكسر، ولعله قدَّم الكسر إذ لا علاقة للعلة بوجود الحكمة بلا حُكمٍ.
قال: (وَالنَّقْضُ) يعني: من أنواع الكسر.
(وَالنَّقْضُ الْمَكْسُورُ نَقْضُ بَعْضِ الْأَوْصَافِ).
يعني: نقض العلة بترك بعض الصفات، سُمي نقضاً مكسوراً، وهذا إنما يتأتى في العلة المركبة. العلة على نوعين: علة بسيطة مثل الإسكار، شيءٌ واحد .. وصفٌ وحد، وقد تكون مركبة من شيئين فأكثر كالقتل العمد العدوان، هذا يسمى علة مركبة.