قوله: (وَصْفًا حَقِيقِيًّا) ذكر له شرطين: "ظاهراً" يعني: لا خفياً، "منضبطاً" يعني: لا منتشراً.
فحينئذٍ إن كان وصفاً حقيقياً خفياً لم يصح التعليل به، إن كان وصفٌ حقيقياً ظاهراً لكنه منتشر غير منضبط حينئذٍ نقول: لا يصح التعليل به.
وهذا محل وفاق، أما العرفي واللغوي فهذا محل نزاعٍ، والصحيح أنه مبني على ما مر معنا في اللغة والعرف.
ثم قال: (فَلَا يُعَلَّلُ بِحِكْمَةٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ وَصْفٍ ضَابِطٍ لَهَا).
فعمم هنا الحكم بأن الحكمة وهي المصلحة المقصودة لشرع الحكم، هذه لا يصح أن تقع علة، ولا يرتبط بها الحكم الشرعي، وقلنا الصواب: أن فيها تفصيلاً.
إن كانت الحكمة ظاهرة منضبطة -يمكن ضبطها-، حينئذٍ صح التعليل بها، وإن لم يكن كذلك حينئذٍ لا يصح التعليل بها. فثم وسطٌ بين الأمرين.
فمنهم من منع مطلقاً بأن الحكمة لا يصح التعليل بها، ومنهم من أطلق القول بأن الحكمة يصح التعليل بها مطلقاً ولو كانت خفية ولو كانت غير منضبطة. وهذا القول فيه نظر بل هو باطل؛ لأنه لا ينضبط الحكم معه وجوداً وعدماً، والحكمة تختلف باختلاف الأشخاص وتختلف باختلاف الأزمان ونحو ذلك.
إذاً: الصواب: التفصيل، فيقال: الحكمة إن كانت منضبطة وهي ظاهرة فحينئذٍ صح التعليل بها.
وهذا ذكره قولاً، وهو قول لبعض الحنابلة والمالكية والآمدي وغيرهم: ﴿إنْ كَانَتْ الْحِكْمَةُ الْمُجَرَّدَةُ ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً صَحَّ التَّعْلِيلُ بِهَا، وَإِلاَّ فَلا﴾.
وقيَّد هنا "مجردة" يعني: مجردة عن وصفٍ مناسبٍ يصلح أن يكون علة؛ لأن الحكمة قد توجد مع وصفٍ آخر، وقد توجد مجردة عن وصفٍ، والكلام هنا في حِكمة مجردة عن وصفٍ. يعني: ليس عندنا إلا الحكمة ولم يوجد وصفٌ يصلح أن يكون علة.
وحينئذٍ نقول في مثل هذا: إن وُجد وصفٌ صالح لِلعِلِّية كالسفر مع المشقة، حينئذٍ نقول: عُلِّل بالسفر دون المشقة.
أولاً: لوجود الوصف المناسب المؤثر.
وثانياً: لكون المشقة هنا منتفي شرطُها وهو عدم المشقة، هل هي ظاهرة أو خفية؟ ظاهرة، وهل هي منضبطة؟ غير منضبطة.
إذاً: التفصيل هو الصواب: ﴿إنْ كَانَتْ الْحِكْمَةُ الْمُجَرَّدَةُ ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً صَحَّ التَّعْلِيلُ بِهَا، وَإِلاَّ فَلا﴾.
وهذا اختاره الهندي وصححه ابن الحاجب رحمه الله تعالى.
ثم قال: (وَيُعَلَّلُ ثُبُوتِيٌّ بِعَدَمٍ) يعني: أنه يصح أن يعلَّل الحكم الثبوتي بالعدمي، كبيع الآبق باطلٌ لعدم القدرة على تسليمه، وبينّا أن رأي شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن هذا صالحٌ في قياس الدلالة، يجوز أن يكون العدم فيه علة وجزءاً من العلة، وأما في قياس العلة فلا يصح.
وذكر ما يتعلق بالأدلة.
ثم قال: (فَصْلٌ مِنْ شُرُوطِهَا: أَنْ لا تَكُونَ مَحَلَّ الْحُكْمِ وَلَا جُزْأَهُ الْخَاصِّ).
وهذا الصواب أنه نوعٌ من أنواع العلة القاصرة. يعني: هو صورة من صور العلة القاصرة؛ إذ العلة نوعان: علة متعدية، وعلة قاصرة.
وشرط صحة القياس: تعدي العلة من الأصل إلى الفرع.