لئلا يكون مجمعاً عليه، فإنه متى كان كذلك لم يكن للخصم منعه. يعني: يرِد إذا كان الحكم متفقاً عليه كيف يقع النزاع؟ إلا إذا كان سيُبنى على هذا القياس شيءٌ آخر، لكن متى ما سُلِّم الحكم عند الأمة على جهة الإجماع لا يجوز أن يختلف فيه خصمان.
(وَلَا مَعَ اخْتِلَافِهِمَا) يعني: اختلاف الأمة؛ لئلا يكون مجمعاً عليه، فإنه متى كان كذلك لم يكن للخصم منعه.
قيل: والصحيح جواز كونه مجمعاً عليه بين الأمة، ومع ذلك يقع فيه اختصام بين الطرفين. ولذلك قال هنا: ﴿قِيلَ: بَلَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ الآمِدِيِّ﴾.
على كلٍ: المراد هنا اتفاق الخصمين فقط. وهذا شرط كما ذكرنا ليس لإثبات الحكم الشرعي وإنما هو لإلزام الخصم. يعني: من يدافع عن مذهبه وتقليد مذهب إمامه، ولذلك قال هنا: ﴿وَلأَنَّ كُلاًّ مِنْ الْخَصْمَيْنِ مُقَلِّدٌ﴾ يعني: هذا عند أتباع المذاهب، الذي يرى وجوب أنه يتَّبع مذهباً ما، حينئذٍ إذا أراد أن يناظر فيكون مقلداً، فيذكر حجة إمامه.
قال: (وَلَا مَعَ اخْتِلَافِهِمَا).
ثم قال: (وَلَوْ لَمْ يَتَّفِقَا) يعني: ﴿يَعْنِي الْخَصْمَيْنِ عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ﴾.
لو قال: "أي الخصمان على حكم الأصل" لكان أولى. يعني: هو .. خصمين.
﴿عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ، وَلَمْ يَكُنْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فَأَثْبَتَ الْمُسْتَدِلُّ حُكْمَهُ بِنَصٍّ ثُمَّ أَثْبَتَ الْعِلَّةَ﴾ قُبِل منه.
يعني: قد لا يتفقان، لكن لو جاء المستدِل فأثبت الحكم مع العلة بالنص قُبِل منه. يعني: هذا الانتشار مغتفرٌ. يعني: يكون ثَم خلافٌ بين الخصمين، ثم يأتي يثبت القياس باختصارٍ على ما ذكره هنا، أثبت المستدِل حكمه -حكم الأصل- بنصٍ، ثم أثبت العلة بطريقٍ من طرقها قُبِل منه.
يعني: هذا الخروج عن الأصل في آداب البحث والمناظرة، هذه يعتبر مقبولاً؛ لأنه لا يُتصور في خصمٍ يُثبَت له نصٌ، ثم يُدَل على العلة بطريقٍ شرعي ثم يُنازَع فيه. الأصل فيه أنه مسلم، والأصل في المسلم إذا قيل له: قال الله تعالى، قال رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وطريقٌ صحيح عند أهل العلم الأصل القبول وليس الرد، إحسان الظن بأهل العلم.
قال: (وَلَوْ لَمْ يَتَّفِقَا فَأَثْبَتَ الْمُسْتَدِلُّ حُكْمَهُ) ﴿أَيْ حُكْمَ الأَصْلِ بِنَصٍّ﴾ لم يتفقا على حكم الأصل. يعني: حصل نزاع بينهما.
(فَأَثْبَتَ الْمُسْتَدِلُّ حُكْمَهُ) ﴿أَيْ حُكْمَ الأَصْلِ بِنَصٍّ﴾ من الشرع: كتاباً أو سنة، أو إجماعاً (ثُمَّ أَثْبَتَ الْعِلَّةَ)، ﴿بِنَصٍّ﴾ يعني: كتاباً أو سنة، (ثُمَّ أَثْبَتَ الْعِلَّةَ) بطريق من طرق إثبات العلة، إما الإجماع أو النص أو السبر أو الإخالة .. ما يأتي في مسالك العلة.