قال -الشرط الثالث-: ﴿وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا أَنْ لا يَكُونَ شَامِلاً لِحُكْمِ الْفَرْعِ﴾ المراد هنا دليل الأصل .. ألا يكون دليلُ حكم الأصل شاملاً للفرع، بأن يكون لفظاً عاماً فيشمل حكم الفرع، فلا يصح حينئذٍ، وهذا الذي ذكرناه في باب التخصيص هناك.
ألا يكون حكم الأصل -يعني: دليل حكم الأصل- شاملاً للفرع، فإن كان شاملاً للفرع ما صح القياس، هنا جاء الإشكال .. لهذا الشرط.
{إذْ لَوْ كَانَ شَامِلاً لِحُكْمِ الْفَرْعِ لَمْ يَكُنْ جَعْلُ أَحَدِهِمَا أَصْلاً وَالآخَرِ فَرْعًا أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ، وَلَكَانَ الْقِيَاسُ ضَائِعًا وَتَطْوِيلاً بِلا طَائِلٍ.
مِثَالُهُ فِي: الذُّرَةِ مَطْعُومٌ فَلا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلاً قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ} فيقول: ﴿قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: <<لا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ>>﴾ يعني: الذرة فرعٌ هنا، مجهول الحكم، عِلَّته مطعومٌ .. وُجدت فيه العلة.
فلا يجوز .. هذا حكمٌ ﴿لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلاً قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ﴾ جاء النص في البر، فقاس عليه الذرة، بجامع الطُّعم وهو عدم بيعه متفاضلاً.
نقول: هذا يُمنع منه؛ القياس باطل لا يصح، لأنه قياسٌ في مقابلة نصٍ.
في مقابلة نصٍ لا في كونه يأخذ حكم النقيض ما ثبت للبر لا، إنما لكونه ما دل على الأصل وهو الدليل دل على الفرع؛ لأن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ <<لا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ>> شمل الذرة وشمل البر، فلا نحتاج إلى قياس.
﴿<<لا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلاَّ يَدًا بِيَدٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ>>﴾ ليس فيه هذه الزيادة {فَإِنَّ الطَّعَامَ يَتَنَاوَلُ الذُّرَةَ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْبُرَّ.
وَأَنْتَ تَعْلَمُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ دَلِيلَ الْعِلَّةِ إذَا كَانَ نَصًّا وَجَبَ أَلاَّ يَتَنَاوَلَ الْفَرْعَ بِلَفْظِهِ} وهو كذلك ﴿مِثْلُ أَنْ تَقُولَ: النَّبَّاشُ يُقْطَعُ؛ لأَنَّهُ سَارِقٌ كَالسَّارِقِ فِي الحي فَيُقَالَ: وَلِمَ قُلْتَ إنَّ السَّارِقَ مِنْ الْحَيِّ، إنَّمَا يُقْطَعُ؛ لأَنَّهُ سَارِقٌ﴾ لهذه العلة لا لعلة أخرى.
فيقول ﴿لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا)) رَتَّبَ الْقَطْعَ عَلَى السَّرِقَةِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْمُقْتَضِي لِلْقَطْعِ﴾.
والنباش سارق فهو داخلٌ في النص.
إذاً: يُشترط في حكم الأصل: ألا يكون شاملاً لحكم الفرع، بمعنى أن الدليل الذي دل على إثبات حكم الأصل لا يكون شاملاً للفرع؛ لأنه لو كان كذلك لعُلم حكم الفرع، فبطل القياس من أصله، لأن القياس في حقيقته: إلحاق مجهول بمعلوم، مجهول الحكم، فلو كان معلوم الحكم بأن دخل في النطق، فحينئذٍ لا يصح القياس البتة.
قال: ﴿فَيُقَالُ: فَهَذَا يُوجِبُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ بِالنَّصِّ. فَإِنَّ ثُبُوتَ الْعِلَّةِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَلا مُخَلِّصَ لِلْمُسْتَدِلِّ إلاَّ مَنْعُ كَوْنِهِ عَامًّا﴾.