تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: ﴿يَسْقُطُ مِنْهَا لَفْظُ مُسْكِرٍ مَرَّتَيْنِ؛ لأَنَّهُ مَحْمُولٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ الأُولَى﴾ وهو: النبيذ مسكر .. محمول ﴿مَوْضُوعٌ فِي الثَّانِيَةِ﴾ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ﴿يَبْقَى هَكَذَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، فَهُوَ حَرَامٌ، وَهُوَ صُورَةُ قِيَاسِ الْفُقَهَاءِ﴾.

فظهر حينئذٍ القياس الشرعي محمول على العقلي، هذا الذي أراده المصنف هنا.

من أجل ذلك قال المتكلمون: إن القياس لا بد أن يكون مؤلفاً من أربعة أركان أو قائماً على أربعة أركان: الفرع، والأصل، والحُكْم، والعلة الجامعة بين الفرع والأصل.

وهذا حملهم عليه أن ثَم ارتباط بين القياس الشرعي وبين القياس المنطقي، والقياس المنطقي لا يتحقق إلا بأربعة أجزاء على ما ذكره هنا، وبَسْطُ هذا الكلام في باب القياس من كتب المنطق.

ثم قال رحمه الله تعالى -أراد أن يبيِّن الأربعة الأركان-: (فَالْأَصْلُ) الفاء هذه فاء الفصيحة. (فَالْأَصْلُ) يعني: ما مضى من ذكره على جهة الإجمال.

(فَالْأَصْلُ مَحَلُّ الْحُكْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ) .. الأصل قدَّمه على غيره من الأركان؛ لأنه أصل الحكم الذي هو أصل العلة، التي هي أصل الفرع، كلها متفرِّعة.

قدَّم الأصل لماذا؟ لأنه أصل الحكم -محل الحكم- الذي هو أصل العلة، التي هي أصل الفرع، فهي متباينة .. هكذا مُتَنَزِّلَة.

نقول: الأصل الذي هو الخمر -المراد به نفس الخمر- هي أصلٌ للتحريم، لولا وجود الخمر لما ترتب عليها وصف التحريم، فحينئذٍ صار الأصل أصلاً للحكم.

وهو أصلٌ للعلة كذلك؛ لأن العلة موجودة في الأصل، وهو أصلٌ للفرع؛ لأن الفرع إنما أُلحق بالأصل لاشتماله على العلة وكذلك أُلحق به في الحكم.

لأنه أصل الحكم الذي هو أصل العلة التي هي أصل الفرع.

قال: (فَالْأَصْلُ مَحَلُّ الْحُكْمِ) وهذا هو الصحيح، (مَحَلُّ الْحُكْمِ) يعني: الذي وُصف بكونه حراماً وهو الخمر نفسها.

(الْمُشَبَّهِ بِهِ) يعني: ما قيس عليه، وهنا قال: (الْمُشَبَّهِ بِهِ) يشير إلى أن القياس كذلك فيه تشبيه، ولذلك مر أن ابن القيم رحمه الله تعالى يرى أن كل تشبيهٍ في الكتاب والسنة فهو دليلٌ على إثبات وحجية القياس.

(الْمُشَبَّهِ بِهِ) لأنه يُشبَّه به الفرع فيكون أصلاً له، وهذا المعنى -في معنى الأصل- محل الحكم ﴿عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ﴾.

قال: ﴿كَالْخَمْرِ فِي الْمِثَالِ السَّابِقِ﴾ الخمر محل التحريم، لماذا؟ ﴿لافْتِقَارِ الْحُكْمِ وَالنَّصِّ إلَيْهِ﴾.

النص لماذا؟ لأنه قال: ((إِنَّمَا الْخَمْرُ)) [المائدة:90] فلو لم يكن ثَم ما يصدُق عليه لما كان محلاً للنص.

ثُم ((فَاجْتَنِبُوهُ)) ما هو؟ الخمر نفسه.

إذاً: يفتقر النص إلى وجود الخمر بذاتها .. بعينها، وكذلك يفتقر الحكم إلى وجود الخمر بذاتها وعينها.

قال هنا: ﴿وَقِيلَ: إنَّ الأَصْلَ دَلِيلُ الْحُكْمِ، وَحُكِيَ عَنْ الْمُتَكَلِّمِينَ. فَيَكُونُ فِي الْمِثَالِ فِي قَوْله تَعَالَى: ((فَاجْتَنِبُوهُ)) وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ﴾.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ١٤٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ١٤٠٠