تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حينئذٍ إن كان مراد المصنف القياس مطلقاً في الشرع بأنه: إلحاق فرعٌ بأصلٍ. هكذا، فيشمل كل مثل وكل تشبيه فحينئذٍ لا إشكال فيه، القياس مستعملٌ في الشرع، ولذلك ابن القيم رحمه الله تعالى قال: كلُّ مثَلٍ في القرآن فهو دليلٌ على شرعية القياس، وكل تشبيهٍ في القرآن فهو دليلٌ على شرعية القياس.

ومعلومٌ أن كل مثل لا يعم الأحكام الشرعية كلها، وكل تشبيهٍ في القرآن يدل على شرعية القياس، ومعلومٌ قطعاً أن ليس كل تشبيهٍ في القرآن هو في الأحكام الشرعية.

بل صيغةُ هذا القياس لم يَرِدْ نصاً هكذا في الكتاب، وحينئذٍ يكون هذا من باب التعميم يعني: ما يعم الأحكام الفقهية وغيرها. كما نقول: الفقه شرعاً. بأنه يشمل العقائد والتعبُّدات والمعاملات، والفقه الاصطلاحي هو كذا.

قال: (وَاصْطِلاَحاً: رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ بِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ).

قال: اصطلاحاً وأطلق المصنف هنا، حينئذٍ كما هو معلوم عند أهل القياس أن القياس قد يكون صحيحاً وقد يكون فاسداً، كالتأويل قد يكون صحيحاً وقد يكون فاسداً.

وأطلق هنا قال: (رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ بِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ) ولم يقل عند المجتهد، أو لدى الحامل أو نحو ذلك. يعني: لم يقيِّده بما في ظن المجتهد؛ لأنك إذا قيدته بما في ظن المجتهد دخل معك في التعريف: القياس الصحيح والقياس الفاسد، وإذا أطلقنا القول حينئذٍ يُحمل على الرد بما في نفس الأمر وهو الصحيح.

إذاً: هذا التعريف كما عرَّف به كثيرٌ من الأصوليين مرادهم القياس الصحيح الذي وافق ما في نفس الأمر، ما الدليل على ذلك؟ أنه أطلقه ولم يقيده حيث قال: (رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ بِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ) وأسقط قيد: "لدى الحامل أو لدى الراد، أو في ظن المجتهد أو عند المجتهد" كما قيده بعض الأصوليين.

وإذا أطلقنا حينئذٍ نقول: لما أَطلق حينئذٍ اختص بالصحيح؛ لأن التعريف للشيء إنما يكون بكماله، ومعلومٌ أن كمال القياس بموافاة الرد والفرع .. بتحقق شروطه، والأصل .. بتحقق شروطه، والعلة .. إلى آخره. هذا يسمى القياس الصحيح.

فإن أردنا أن يشمل القياس الفاسد، فحينئذٍ نزيد: في ظن المجتهد، أو عند المجتهد.

قال: (وَاصْطِلاَحاً) ﴿أَيْ فِي اصْطِلاَحِ الأُصُولِيِّينَ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ﴾.

(ردُّ فَرْعٍ) هذا المراد به كما سينص عليه المصنف أنه تعريفٌ لقياس العلة، ولم يرِد قياس الدلالة ولا قياس العكس.

قال هنا: (ردُّ) هذا فيه إشارة إلى أن القياس فعلٌ للمجتهد؛ لأنه عبَّر بالرد، وبعضهم عبر بالحمل، وبعضهم عبّر بالتسوية، وهذه كلها مصادر تدل على أن ثم فاعل؛ لأنَّ الرَّد ممَّن .. ردُّ من؟ رد المجتهد الفرع إلى الأصل، تسوية من؟ الفرع بالأصل .. تسوية المجتهد.

أو عبَّر بعضهم بإثبات يعني: إثبات الحكم إلى آخره.

وهذا مبنيٌ على أن القياس هل هو دليل مستقلٌ بذاته أم أنه هو وصف لفعل المجتهد؟ الجمهور على الثاني، واختار الآمدي وابن الحاجب أنه دليلٌ بنفسه.

حينئذٍ نقول: هل القياس دليل مستقل أو هو من فعل المجتهد؟ فيه مذهبان:

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ١٣٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ١٣٨٨