تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿يَعْنِي أَنَّهُ يُنْسَخُ الإِنْشَاءُ وَلَوْ كَانَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ سَوَاءٌ كَانَ بِمَعْنَى الأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ، نَحْوَ قوله تعالى: ((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ))﴾ اللفظ لفظ الخبر والمعنى معنى الإنشاء وهو أمرٌ.

{وَنَحْوَ: ((لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا)).

قَالَ الْجُمْهُورُ: يَجُوزُ نَسْخُهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ الإِنْشَاءُ}.

إذاً: الخبر الذي هو في معنى الإنشاء يجوز نسخه على الصحيح، وهو قول الجمهور، وهذا مما وقع فيه النزاع.

﴿وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ: يَمْتَنِعُ نَسْخُهُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ﴾.

يعني: تغليباً للفظ الخبر على معنى الأمر، وهذا خلل .. ليس بصحيح؛ لأن الصواب أنه في علم المعاني إنما يكون اللفظ تابعاً للمعنى.

(أَوْ) هذا مما اختُلف فيه أيضاً (أَوْ قُيِّدَ) يعني: الخبر.

﴿أَوْ قُيِّدَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ الإِنْشَاءُ﴾ قيّد الإنشاء (بِتَأْبِيدٍ) وما في معناه.

يعني: بلفظ أبداً .. صوموا أبداً هل يقبل النسخ؟ نعم يقبل النسخ.

حينئذٍ أبداً .. أمداً .. دائماً .. مستمراً .. مراداً به طول الزمن، وليس المراد به التأبيد أنه لا يرتفع الحكم، وهو واضحٌ مستعملٌ في كلام العرب بل في القرآن.

(أَوْ قُيِّدَ بِتَأْبِيدٍ) ﴿أَيْ: بِلَفْظِ تَأْبِيدٍ أَوْ بِلَفْظِ حَتْمٍ نَحْوَ: صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ أَبَدًا، أَوْ دَائِمًا، أَوْ مُسْتَمِرًّا، أَوْ حَتْمًا﴾ أو ما في معناه مما يدل على طول الزمان، وهذا يجوز نسخه على الصحيح وهو قول الجمهور.

إذاً: الخبر إذا كان بمعنى الإنشاء جاز نسخه، والمراد بالخبر هنا المختلف فيه: الخبر الذي يكون بمعنى الأمر أو النهي، وأما الأخبار التي لا تكون بمعنى ذلك فسيأتي فيه كلام.

قال: ﴿وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ جَمْعٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْحَنَفِيَّةِ قَالُوا لِمُنَاقَضَتِهِ الأَبَدِيَّةِ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى الْبَدَاءِ﴾.

فقالوا: لا يجوز النسخ إلا في خطابٍ مطلق، والصواب: أنه يجوز نسخه؛ لأن المراد هنا بالتأبيد ونحوه: ﴿الْمُبَالَغَةُ لا الدَّوَامُ، كَمَا تَقُولُ: لازِمْ غَرِيمَك أَبَدًا، وَإِنَّمَا تُرِيدُ لازِمْهُ إلَى وَقْتِ الْقَضَاءِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ هُنَا: لا تُخِلَّ بِهِ إلَى أَنْ يَنْقَضِيَ وَقْتُهُ﴾.

يعني: مرده إلى معنى التأبيد في لسان العرب، فيُطلق ويراد به الزمن أو الدهر الطويل، فحينئذٍ هذا لا يمنع النسخ.

﴿فَائِدَتُهُ التَّنْصِيصُ وَالتَّأْكِيدُ﴾ يعني: فائدة التأبيد هنا التنصيص والتأكيد، فله فائدة.

﴿وَأَيْضًا فَلَفْظُ الأَبَدِ إنَّمَا مَدْلُولُهُ الزَّمَانُ الْمُتَطَاوِلُ﴾ هذا هو الصحيح فيه.

وعليه حُِمل قوله تعالى: ((وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا)) [النساء:93] الخلود هنا المراد به مثل التأبيد.

قال هنا: ﴿وَلا فَرْقَ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ بَيْنَ كَوْنِ الْجُمْلَةِ فِعْلِيَّةً، نَحْوَ: صُومُوا أَبَدًا، أَوِ اسْمِيَّةً، نَحْوَ: الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا﴾.

وهذا أراد به التنكيت على صاحب التحبير إذْ جعل الأقسام أربعة.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ١٣٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ١٣٦٤