تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعْ الْمُرَكَّبَ} فليس بموضوع، وإلا لكان استعمال الجمل يتوقف على النقل عن العرب كما في المفردات، وهذا من الغرائب، ومن الغريب أنه ينسب لابن مالك رحمه الله تعالى، أنه لو كان موضوعاً للزم أن كل مفرد كل مركب لا ينطق به الناطق إذا أراد أن ينطق بكلام العرب إلا وهو منقول، يعني: قام نُقل عن العرب، وزيد نقل عن العرب، فحينئذٍ قام زيد هذه الإضافة إنما أضيفت ونسبت أو أسندت وكلاهما: الإضافة والمفردات منقولة عن العرب، فحينئذٍ لو أراد أن يقول: قام جعفر ولم يكن جعفر منقولاً عن العرب، قالوا: لا يصح؛ لأن هذا التركيب لم يرد، كما ذكرنا بالأمس، لو قال: ذهبت إلى جامع بدر، جامع بدر هذا لم تنطق به العرب، لكن ذهبتُ نطقت به العرب، هل يصح أو لا يصح؟ قال: لو كان موضوعاً لما صح هذا التركيب، إذاً ماذا نقول نحن؟ بماذا نعبّر؟ هذا إشكال.

حينئذٍ نقول: الدلالة وضعية وهي مطابقية، قال هنا: فليس بموضوع، وإلا لكان استعمال الجمل يتوقف على النقل عن العرب كما في المفردات، ولهذا لم يتكلم أهل اللغة فيه ولا في أنواع تأليفه، لكن أخذناه بالاستنباط كما هو الشأن في اصطلاحات الفنون، إنما تؤخذ بالاستنباط، عامة ما قعّده أئمة اللغة نحواً وصرفاً وبياناً إنما هو ليس من نص العرب، وإنما العرب ليس عندهم إلا التراكيب فحسب، بل ليس عندهم مفردات أصلاً، وإنما العرب تكلمت واستنبط أهل اللغة المفردات ووضعوا له المعاني على حسب ما نُقل عن العرب، وإلا ما نطقوا بالمفردات: الفعل وحده، والاسم وحده، وذكروا الأسماء كما هو في معجم المقاييس والقاموس وغيره، هذه كلها مستحدثة، ولم تنطق العرب بذلك، يقال: خرج يستعمل في كذا وكذا وكذا إلى آخره، من أين أُخذت هذه المعاني لـ: خرج، وقام وجلس وقعد .. إلى آخره؟ أُخذت بالنظر في التراكيب المنقولة عن العرب، قالوا: إذا أُريد المعنى عُدّي بإلى، وإذا أريد كذا عُدّي بعلى، العرب لم تنطق بهذه القواعد، وإنما نظر أئمة اللغة في الكلام المنقول عن العرب واستنبطوا هذه القواعد.

إذاً: كون العرب لم يتكلموا فيه ليس بدليل، وكون العرب لم تتكلم في أنواعه وتأليفه ليس بدليل، ولذلك العرب لم تقل قط أن الفاعل مرفوع، من قال بأن الفاعل مرفوع، والمفعول به منصوب، والمضاف إليه مجرور دائماً؟ ما نطقت العرب بذلك، لكنه محل وفاق أن الفاعل مرفوع، وهذه قاعدة أخذناها من كلام العرب، استنباطاً.

وَعُرِفَتْ بِالنَّقْلِ لاَ بِالْعَقْلِ ... فَقَطْ بَلِ اسْتِنْبَاطُهُ مِنْ نَقْلِ

فحينئذٍ يكون العقل وسيلة في الاستنباط فحسب، أما أن يكون مجرداً في الوضع لفظاً أو مركباً فلا، فقولهم التعليل هذا عليل ليس عليه ظاهر الصحة.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ١٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ١٣٦