﴿قَالَ﴾ يعني: ابن قدامة .. الكلام له ﴿وَقَيَّدْنَا الْحَدَّ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ؛ لأَنَّ ابْتِدَاءَ الْعِبَادَاتِ فِي الشَّرْعِ مُزِيلٌ لِحُكْمِ الْعَقْلِ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَلَيْسَ بِنَسْخٍ﴾.
فكل حكمٍ نزل وكان الأصل البراءة الأصلية أو الإباحة العقلية، فهذا لا يسمى رفعاً بمعنى النسخ، قد يسمى رفعاً في اللغة لكنه لا يسمى نسخاً.
﴿وَقَيَّدْنَاهُ بِالْخِطَابِ الثَّانِي؛ لأَنَّ زَوَالَ الْحُكْمِ بِالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ لَيْسَ بِنَسْخٍ﴾.
وهو رُفِع في حقه .. مات، ووجبت الصلاة عليه؟ ما وجبت، ارتفع الحكم؛ لدليل شرعي أو لفوات المكلَّف؟ لفوات المكلَّف، هذا لا يسمى نسخاً يعني: في الاصطلاح.
﴿وَقَوْلُنَا مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَّصِلاً بِهِ كَانَ بَيَانًا، وَإِتْمَامًا لِمَعْنَى الْكَلامِ، وَتَقْدِيرًا لَهُ بِمُدَّةٍ وَشَرْطٍ﴾.
ولذلك يُشترط في الناسخ مع المنسوخ التعارض مع عدم الإمكان، وهذا لا يتأتى فيما إذا كان الكلام متصلاً، إذا كان متصلاً فحينئذٍ لا يلزم أن المخصِّص دائماً يكون متصلاً، بل مر معنا أن المخصص يكون متصلاً ومنفصلاً، لكن لو جاء قيده معه حينئذٍ صار مخصِّصاً، وهو نوعٌ من المخصِّصات، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل مخصِّصٍ على ذلك.
قال رحمه الله تعالى: (وَالنَّاسِخُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى حَقِيقَةً).
لأن الذي له التشريع المطلق هو الباري جل وعلا، فالذي يشرع ابتداء هو الله عز وجل، والذي يرفع بعض الأحكام الشرعية هو الله عز وجل ((فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)) [هود:107]، ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)) [الأنعام:57].
﴿قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَغَيْرُهُ: النَّاسِخُ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُقَالُ: نَسَخَ فَهُوَ نَاسِخٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ((مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا))﴾.
((نَنْسَخْ)) إذاً: يقال الناسخ، نقول: الله ناسخ؟ نعم يكون من باب الإخبار، نقول: الله ناسخ.
ولذلك قال المصنف: (وَالنَّاسِخُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى حَقِيقَةً) يعني: لا مجازاً.
فلا يُنسب إلى الطريق وإنما يُنسب إلى الباري جل وعلا؛ لأن الحكم ابتداء وانتهاء هو الله عز وجل ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)) [الأنعام:57].
وهل يسمى الباري ناسخاً؟ نعم.
هل يوصف بكونه ناسخاً؟ لا.
هل يُخبر عنه بكونه ناسخاً؟ نعم.
هذا بناء على التفريق في الأبواب الثلاثة: الأسماء، والصفات، وباب الإخبار.
لكن انتبه! باب الإخبار -والله أعلم- أنه يُقيَّد بما جاء له أصلٌ في الشرع، قال: ((مَا نَنْسَخْ)) هذا الجزم هنا بما الشرطية.
إذاً" "فعلٌ"، هل يُشتق من الفعل صفة؟ لا .. –للباري جل وعلا .. الكلام في صفات الله، لايُشتق من الأفعال صفات وإنما يُشتق من الأسماء صفات.
الآن عندنا أسماء وعندنا صفات: الأسماء توقيفية .. لا بد أن يأتي اللفظ: العليم، السميع لفظاً ومعنى، فليس عندنا تحويل لفظ، هذا في باب الأسماء والأعلام، وهنا كونها توقيفية.