ولذلك ينبني على التفسير السابق: بالوضع أنه إذا فُسّر بالقصد قالوا: أخرج كلام النائم والمجنون والساهي إلى آخره، فإذا تكلم لا يسمى كلاماً.
على كلٍّ قال هنا: (الْمُرَكَّبُ مُهْمَلٌ مَوْجُودٌ) ﴿فِي اخْتِيَارِ الْبَيْضَاوِيِّ وَالتَّاجِ السُّبْكِيّ﴾ في جمع الجوامع ﴿وَمَثَّلاَهُ بِالْهَذَيَانِ. فَإِنَّهُ لَفْظٌ مَدْلُولُهُ لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مُهْمَلٌ﴾.
يعني الهذيان هذا موجود في لسان العرب، لكن يصدق على ماذا؟ تقول: بدأ زيد يهذي، فحينئذٍ يهذي هذا هذيان، ماذا قال؟ قال كلاماً، هل يسمى كلاماً؟ يسمى مركباً ولا شك، لكن هل هو كلام أم لا؟ نقول: هو مهمل.
وقال الكُوراني: وهو بعيد؛ لأن وجود مركب إسنادي لا يكون له معنى في غاية البعد.
﴿وَقَالَ الرَّازِيّ: وَالأَشْبَهُ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ, لأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ التَّرْكِيبِ الإِفَادَةُ﴾ فحيث لا إفادة فلا تركيب.
﴿وَهَذَا إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُهْمَلَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ, لاَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لَهُ اسْمٌ﴾ يعني: المركب المهمل له مثال وهو الهذيان، مُسمى الهذيان مركب مهمل، هل هو موجود أو لا؟ على الخلاف السابق، من اعتبر الإفادة قال: غير موجود، ولذلك كلام الرازي صريح ﴿وَالأَشْبَهُ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ, لأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ التَّرْكِيبِ الإفَادَةُ﴾ ولم يحصل بكلام المجنون إفادة، فحينئذٍ رجع الخلاف هنا إلى مسألة تفسير الوضع ما المراد به: القصد أم الوضع اللغوي؟
﴿وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُهْمَلَ﴾ (لَمْ تَضَعْهُ الْعَرَبُ) ﴿قَطْعًا﴾.
(وَ) ﴿الْقِسْمُ الثَّانِي﴾ من المركب (مُسْتَعْمَلٌ وَضَعَتْهُ) ﴿الْعَرَبُ﴾ قطعاً فيتقابلان، ومر معنا أن الاستعمال هو إطلاق اللفظ وإرادة المعنى.
(وَمُسْتَعْمَلٌ وَضَعَتْهُ) ﴿الْعَرَبُ خِلاَفًا لِلرَّازِيِّ, وَابْنِ مَالِكٍ وَجَمْعٍ﴾ يعني: اختُلف في المركب، أما المفردات فمحل وفاق، وأما المركبات: قام زيد، وزيد قائم هل وضعتها العرب أم لا؟ فيه قولان، والأكثر على أنه موضوع وهو الصحيح، والمراد بالوضع الوضع النوعي لا الشخصي.