حينئذٍ الصوم يشرع به من طلوع الفجر، وأباح الله تعالى الرفث والجماع الليلَ كلَّه، إذاً: آخر جزءٍ من الليل هو محلٌ للجماع، أول جزءٍ بعده من النهار محلٌ للصوم، هل يستطيع أن يغتسل؟ الجواب: لا.
إذاً: نقول: هذا متعذرٌ حساً، دل ذلك على أنه يجوز أن يُصبح صائماً وهو جنب، هل سيقت الآية لذلك؟ الجواب: لا، وإنما فُهِم من جهة المعنى.
﴿((أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ)) فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ الإِصْبَاحِ جُنُبًا﴾.
يعني: جواز صوم الجنب، ولا شك أنه لم يُقصد بالآية، ولكن يلزم من استغراق الليل بالرفث والمباشرة أن يكون جنباً في جزءٍ من النهار؛ لأن آخر جزءٍ من الليل هو محلٌ للإباحة، وأول جزءٍ من النهار هذا محلٌ للتحريم .. للصوم فحينئذٍ تلاقيا، ولا يمكن حساً أن يغتسل فيه.
فدل على أنه يجوز أن يصبح وهو جنبٌ.
﴿وَقَدْ حُكِيَ هَذَا الاِسْتِنْبَاط عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ﴾.
قال: ﴿فَهَذَا كُلُّهُ﴾ يعني: ما مر من الأمثلة ﴿دَلالَةُ إشَارَةٍ﴾.
إذاً: إن لم تتوقف الصحة أو الصدق على إضمارٍ، ودل على أمرٍ ليس هو مقصوداً من اللفظ الأصلي الذي عبّر به، ولكنه وقع من توابعه، فحينئذٍ يسمى دلالة اللفظ عليه دلالة إشارة.
"إشارة" يعني: إشارة اللفظ إلى معنى ليس مقصوداً، ولذلك يحتج بها أهل العلم في إثبات الأحكام الشرعية؛ لأنها دلالة صحيحة "وَلاَزِمُ الحَقِّ حَقٌّ" وهذا يتعلق بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال: فهذا كله دلالة إشارة .. إشارة اللفظ إلى معنى ليس مقصوداً منه بالأصالة، بل بالتبع، مع أنه لم تدع إليه ضرورة لصحة الاقتصار على المذكور دون تقديره.
يعني: الكلام صحيح لم يتوقف على صحة محذوفٍ من أجل الصدق، ولا عقلاً ولا شرعاً، فالكلام حينئذٍ تام ((أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ)) واضح الحكم منه ولا يحتاج إلى محذوفٍ أو تقديرٍ من أجل فهم ما نُطق به.
لكن من توابع اللفظ -المعنى اللازم له- ما ذكرنا.
قال: والثالث وهو دلالة التنبيه، قال: (وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ وَاقْتَرَنَ بِحُكْمٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِتَعْلِيلِهِ كَانَ بَعِيدًا فَتَنْبِيهٌ وَيُسَمَّى إِيمَاءً).
يعني: كون الوصف علةً، إذا ذُكر في اللفظ وصفاً. هذا الوصف لو لم نجعله علة لهذا الحكم لكان عبثاً ويُنزَّه عنه القرآن والسنة.
((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)) [المائدة:38] قال: فاقطعوا. هذا حكمٌ.
علَّقه على السارق والسارقة، وهذان مشتقان، ومعلومٌ أن تعليق الحكم على المشتق يؤذن بِعلِّيةِ ما منه الاشتقاق. يعني: السرقة هي علَّةٌ.
لو لم يكن السرقة لها أثرٌ في الحكم وهو وجوب القطع، ما الفرق بين أن يقول: السارق، أو الذاهب، أو النائم، أو .. إلى آخره؟ لا فرق بينهما، لكن كونه خصص السارق دل على أن علة هذا الحكم وهو وجوب القطع وهو السرقة.
قال: (وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ) ﴿أَيْ اللَّفْظُ عَلَى شَيْءٍ يُقَدَّرُ﴾ ليس عندنا تقدير .. كما هو الشأن في دلالة الإشارة.