هذا التفصيل من قوله لمن أسلم: ﴿أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ﴾.
قوله: أَمْسِكْ وَفَارِقْ. يدل على أنه سيُبقي على النكاح السابق أربعاً، وفارق يعني: طلِّق سائرهن. وهو واضح بيّن، أما حمله على الترتيب: إن حصل العقد عليهن معاً أو متفرقات وتجعل الأربع الأُول هن الباقيات والأُخريات مفارَقات .. نقول: هذا تأويلٌ بعيد.
قال: ﴿وَوَجْهُ بُعْدِهِ أَنَّ الْفُرْقَةَ لَوْ وَقَعَتْ بِالإِسْلامِ لَمْ يُخَيِّرْهُ، وَقَدْ خَيَّرَهُ﴾.
﴿أَنَّ الْفُرْقَةَ﴾ يعني: بمجرد أنه أسلم وقعت الفرقة، هل الفرقة هنا وقعت بالإسلام أو لا؟ نقول: ليست بالإسلام .. بخلاف العكس. يعني: لو كفر وارتد زوجته بانت منه مباشرة، لكن العكس لا. بمجرد الإسلام صحَّح النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عقود النكاح التي حصلت قبل الإسلام، ولذلك لم يأمر من أسلم وهو متزوج -وما أكثرهم- لم يأمر واحداً منهم بتجديد النكاح، دل على أن النكاح السابق معتبر شرعاً.
قال هنا: ﴿وَوَجْهُ بُعْدِهِ أَنَّ الْفُرْقَةَ لَوْ وَقَعَتْ بِالإِسْلامِ لَمْ يُخَيِّرْهُ﴾.
يعني: صار الجميع يجب المفارقة؛ لأنه إذا بطل فيما زاد على أربع بطل في الأربع. إذاً: التفريق هذا يدل على صحة النكاح.
﴿وَقَدْ خَيَّرَهُ. وَالْمُتَبَادَرُ عِنْدَ السَّمَاعِ مِنْ الإِمْسَاكِ: الاسْتِدَامَةُ﴾.
أمسك يعني: استدم، يعني: أبقي، يعني: لا تفارق .. هذا الأصل فيه.
﴿وَالسُّؤَالُ وَقَعَ عَنْهُ وَخَصَّ التَّزْوِيجَ فِيهِنَّ, وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ شُرُوطَ النِّكَاحِ مَعَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ؛ لِقُرْبِ إسْلامِهِ﴾.
إذاً: نقول وجهُ البُعد هنا أن التفريق لم يحصل من أجل الإسلام، دل ذلك أنه فرّق بين بعضٍ وبعضٍ، لو كان الإسلام له أثر في فساد النكاح لاستوى الجميع.
قال بعضهم: وجه بعده أنهم حملو "أمسك" على: ابتدئ النكاح في أربعٍ منهن، ووجهُ بُعده أنه لم يُنقل تجديدٍ لا منه ولا من غيره مع كثرة إسلام الكفار المتزوجين.
هذا أحسن ما يُرد باختصار، أنه لم يُنقل أمرٌ بالتجديد لا له ولا لغيره مع كثرة إسلام المتزوجين، فدل على أن قوله: أمسك يعني: أبقي.
قال هنا: {وَأَيْضًا لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ، وَلا عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ: أَنَّهُ جَدَّدَ النِّكَاحَ.
وَأَيْضًا فَالابْتِدَاءُ يحْتَاجٌ إلَى رِضَى مَنْ يَبْتَدِيهَا}.
ما دام أنه نكاحٌ جديد ونحمله على النكاح الشرعي، إذاً: يُشترط الرضا.
{وَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: فَارِق الْكُلَّ وَابْتُدِئَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ شِئْت, فَيُضَيِّعُ قَوْلَهُ: اخْتَرْ أَرْبَعًا؛ لأَنَّهُ قَدْ لا يَرْضَيْنَ أَوْ بَعْضُهُنَّ.
وَأَيْضًا الأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاؤُهُ, وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الأَصْلِ.