تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَفِي الْحَدِيثِ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَزَادَ فِيهِ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمَّا صَنَعَ قَوْمُهُ مِنْ بَعْدِهِ, فَلَمْ يُلْقِ الأَلْوَاحَ, فَلَمَّا عَايَنَ ذَلِكَ أَلْقَى الأَلْوَاحَ}.

إذاً: قال هنا: الفعل أقوى من القول؛ لأنه مشاهدٌ. هذا أولاً، ﴿وَالْمُشَاهَدَةُ أَدَلُّ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْقَوْلِ بِالْبَيَانِ﴾.

ولذلك كان اقتداء الصحابة بأفعال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أشد تمسكاً من القول؛ لأن هذه قاعدة مطلقة، يعني: القول يحصل به التشريع، والفعل يحصل به التشريع، لكن دلالة القول أقوى.

ولذلك لما واصل ونهاهم عن الوصال واصلوا؛ لأن القول الذي يحتمله، أما الفعل أدل .. يحتمل أنه رفقاً بهم .. إلى آخره، لكن تركوا القول وقدَّموا الفعل، هل هو لبيان ُمجمل؟ لا .. من باب التشريع فقط.

فالنظر في الفعل كالقول .. لا فرق بينهما البتة، فحينئذٍ ننظر إليهما نظراً واحداً، ويُقتدى بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مطلقاً في الفعل كما هو الشأن في القول.

قال: ﴿فَيَحْصُلَ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ كُلُّهُ كِتَابَةً أَوْ إشَارَةً﴾.

(وَلَوْ كِتَابَةً أَوْ إشَارَةً) بفعلٍ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ كِتَابَةً فيحصل بها البيان، وكذلك الإشارة.

{قَالَ صَاحِبُ الْوَاضِحِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: لا أَعْلَمُ خِلافًا فِي أَنَّ الْبَيَانَ يَقَعُ بِالإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ.

مِثَالُ الْكِتَابَةِ: الْكُتُبُ الَّتِي كُتِبَتْ، وَبُيِّنَ فِيهَا الزَّكَوَاتُ وَالدِّيَاتُ وَأُرْسِلَتْ مَعَ عُمَّالِهِ}.

وهناك في باب الأمر: الكتابة لا يحصل بها الأمر، وهنا قال: ﴿بُيِّنَ فِيهَا الزَّكَوَاتُ﴾ وهي أوامر، وبُيِّنَ فيها الدِّيَاتُ وهي أوامر، فكيف يُخرج الأمر وهو كتابة؟ هذا تعارض.

حينئذٍ نرجع إلى باب الأمر .. وقد ذكرنا ذلك: أن الأمر أعم من القول، فله حقيقة شرعية، وهو ما يشمل القول والفعل ولو بالكتابة.

إذاً: الكتابة يحصل بها البيان لأنها فعلٌ، ثم هي أمرٌ وهو كذلك.

ومر معنا -في أول الكتاب- أن المصنف يرى أن الكتابة كلامٌ حقيقة.

قال: ﴿وَمِثَالُ الإِشَارَةِ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا -وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الْعَشَرَةِ, وَقَبَضَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ- يَعْنِي تِسْعَةً وَعِشْرِينَ﴾ حصل به البيان.

قال: (وَالْفِعْلِيُّ أَقْوَى) قاعدة.

(وَالْفِعْلِيُّ أَقْوَى) يعني: ﴿الْبَيَانُ الْفِعْلِيُّ أَقْوَى﴾ لما مر: أنه مشاهدة، والمشاهدة أدل على المقصود، فهو أولى من القول.

﴿وَالْبَيَانُ الْفِعْلِيُّ أَقْوَى مِنْ الْبَيَانِ الْقَوْلِيِّ؛ لأَنَّ الْمُشَاهَدَةَ أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ الْقَوْلِ, وَأَسْرَعُ إلَى الْفَهْمِ، وَأَثْبَتُ فِي الذِّهْنِ، وَأَعْوَنُ عَلَى التَّصَوُّرِ﴾.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ١٢٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ١٢٦٦