قال هنا: ﴿وَلا إجْمَالَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: <<رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ>>﴾ الخطأ واقع والنسيان واقع، هل رُفع بذاته لا يوجد كما رُفع عيسى من الأرض؟ هل هذا مراد؟ هذا ليس مراداً؛ بدليل: أنسى وتنسون، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أُنَسى.
﴿وَلا إجْمَالَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: <<رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ>> عِنْدَ الْجُمْهُورِ﴾.
لأن المقدر: الحُكم والمؤاخذة.
﴿وَقِيلَ: مُجْمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ نَفْيِ الصُّورَةِ وَالْحُكْمِ﴾.
نفي الصورة يعني: الواقع بالفعل، تردد بين الحقيقة .. رُفع النسيان، ورُفع الخطأ.
﴿لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ نَفْيِ الصُّورَةِ وَالْحُكْمِ، وَأَيْضًا إذَا لَمْ يَكُنْ نَفْيُ الْمَذْكُورِ مُرَادًا فَلا بُدَّ مِنْ إضْمَارٍ لِمُتَعَلِّقِ الرَّفْعِ. وَهُوَ مُتَعَدِّدٌ فَحَصَلَ الإِجْمَالُ﴾.
نقول: وهو متعددٌ نعم متعدد، لكن هل هو على السواء أو أحدُهما أرجح؟
إن كان أحدهما أرجح فحينئذٍ نقدم الراجح، وإن كانا على السواء فهو عامٌ يُحمل على جميع المعاني.
﴿وَأُجِيبَ عَنْ الأَوَّلِ: بِأَنَّ نَفْيَ الصُّورَةِ لا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا﴾ نَفْيَ الصُّورَةِ يعني: رُفع الخطأ نفسُه .. غير موجود، وكذلك النسيان، هل يقول أحد بهذا؟ هذا غريب أن يُنسب إلى أحد من أهل العلم، لكنه موجود.
قال هنا: ﴿وَقِيلَ مُجْمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ نَفْيِ الصُّورَةِ وَالْحُكْمِ﴾ يعني: بين الخطأ نفسه ورفعه، وبين رفع ما يترتب على الخطأ والنسيان.
﴿وَأُجِيبَ عَنْ الأَوَّلِ﴾ يعني: ﴿لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ نَفْيِ الصُّورَةِ وَالْحُكْمِ﴾.
{بِأَنَّ نَفْيَ الصُّورَةِ لا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ نِسْبَةِ كَلامِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْكَذِبِ وَالْخُلْفِ, فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْحُكْمِ.
وَعَنْ الثَّانِي} يعني الذي هو: ﴿فَلا بُدَّ مِنْ إضْمَارٍ لِمُتَعَلِّقِ الرَّفْعِ، وَهُوَ مُتَعَدِّدٌ﴾.
﴿-وَهُوَ احْتِمَالُ الْمُضْمَرَاتِ- بِأَنَّهُ قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْمُرَادِ: إمَّا بِالْعُرْفِ أَوْ غَيْرِهِ﴾ إمَّا بِالْعُرْفِ يعني: كان المرجِّح العرف، أَوْ غَيْرِهِ يعني: اللغة.
﴿بِالْعُرْفِ﴾ وهذا جزم به ابن الحاجب.
﴿أَوْ غَيْرِهِ﴾ غير اللغة، وهذا ذكره بعضهم؛ لظهوره في نفي المؤاخذة والعقاب.
﴿كَمَا سَبَقَ فِي ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ))﴾.
يعني: الحكم المراد به هنا: نفي المؤاخذة والعقاب، ونفي المؤاخذة يستلزم رفع العقاب.
ولذلك جاء النص في آخر آية في سورة البقرة: ((رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)) [البقرة:286] ضع هذه الآية مع هذا النص .. اتضح المعنى، ولا إشكال ولا إجمال ولا خلاف أصلاً.
حينئذٍ رُفِع أي: رفع المؤاخذة، وإذا رُفعت المؤاخذة حينئذٍ استلزم رفع العقاب، فلا عقاب.
إذاً: ﴿وَعَنْ الثَّانِي -وَهُوَ احْتِمَالُ الْمُضْمَرَاتِ- بِأَنَّهُ قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْمُرَادِ﴾ وهو رَفعُ المؤاخذة.