{وَقِيلَ: مُجْمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ مَسْحِ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ وَحُكِيَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَغَيْرُهُ: وَالْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الإِجْمَالِ فَرِيقَانِ}.
﴿مُجْمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ مَسْحِ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ﴾ يعني: الباء هنا للتبعيض أو للإلصاق .. سَوَّوا بين المعنيين.
يعني: لم يجعلوا الإلصاق أظهرَ من التبعيض، كأن الباء وضعت للمعنيين على السواء .. صار مُجملاً؛ لأن الباء إذا حُملت على الإلصاق اقتضت التعميم، وإذا حُملت على التبعيض اقتضت التبعيض .. بعض الرأس.
إذاً القول الثاني: ﴿مُجْمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ مَسْحِ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ﴾ مسح الكل إذا قلنا الباء للإلصاق، والبعض إذا قلنا الباء للتبعيض.
لماذا قال: مُجمل؟ قال: لأن وضع الباء لجميع المعاني فاستوى الإلصاق مع التبعيض، وإذا استويا صار مُجملاً.
وعلى القول السابق أنهما لم يستويا، بل هي أظهر في الإلصاق من التبعيض.
{قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَغَيْرُهُ: وَالْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الإِجْمَالِ فَرِيقَانِ.
الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ قَالُوا: إنَّهُ بِوَضْعِ حُكْمِ اللُّغَةِ ظَاهِرٌ فِي مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ؛ لأَنَّ الْبَاءَ حَقِيقَةٌ فِي الإِلْصَاقِ، وَقَدْ أَلْصَقَتْ الْمَسْحَ بِالرَّأْسِ، وَهُوَ} أي: الرأس ﴿اسْمٌ لِكُلِّهِ لا لِبَعْضِهِ﴾ هذا الأصل فيه، إذا قيل: الرأس، اسمٌ لكله لا لبعضه.
﴿لأَنَّهُ لا يُقَالُ لِبَعْضِ الرَّأْسِ رَأْسٌ﴾ إلا مجازاً .. من إطلاق الكل وإرادة الجزء، أما بعض الرأس يقال له رأس حقيقة؟ الجواب: لا. وإنما يكون من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء كقولك: ضربت زيداً أي بعضه.
قال: {وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّهِ لا لِبَعْضِهِ؛ لأَنَّهُ لا يُقَالُ لِبَعْضِ الرَّأْسِ رَأْسٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا مَسْحَ جَمِيعِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ وَمَالِكٍ وَالْبَاقِلاَّنِيّ، وَابْنِ جِنِّي}.
إذاً: على هذا القول أن وضع اللغة حملُ الباء على الإلصاق، يعني: ((وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ)) [المائدة:6] أي ألصقوا بالرأس أي: الماء.
حينئذٍ نقول: الباء للإلصاق .. لا بد من الإلصاق، ثم التعميم يؤخذ من الإلصاق ومن معنى كلمة الرأس؛ لأنه قال: "برءوسكم" جمع رأسٍ، والرأس إذا أُطلق حُمِل على الجميع؛ لأن بعض الرأس لا يُسمى رأساً إلا مجازاً، والأصل حمل اللفظ على حقيقته، ويستند ذلك إلى فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. أنه جاء مبيِّناً لذلك.
قال: ﴿كَآيَةِ التَّيَمُّمِ يَعْنِي قَوْله سبحانه وتَعَالَى: ((فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ))﴾.
((فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ)) هل يقتضي التعميم؟ نعم يقتضي التعميم.
إذاً: كما قلنا التركيب واحد ((وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ)) [المائدة:6] فيه التعميم؛ لأننا فهمنا في التيمم: تعميم الوجه بالمسح، هل نقول المراد هنا: ((فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ)) أي: بعض الوجه؟ لا، لم يقولوا بذلك.