(وَلَا إجْمَالَ فِي إضَافَةِ تَحْرِيمٍ إلَى عَيْنٍ) أي: فيما وقع فيه التحريم على الأعيان.
﴿نَحْوُ قوله تعالى: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ)) وَهَذَا الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ﴾.
لأن المعلوم هنا من السياق والشيء المتبادِر: أن المحرم هو الأكل والشرب.
﴿وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةُ وَالأَكْثَرُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ﴾ قيل: الأكثر فيه نظر.
﴿وَاسْتُدِلَّ﴾ للراجح: ﴿بِأَنَّ تَحْرِيمَ الْعَيْنِ غَيْرُ مُرَادٍ﴾ وهو كذلك، لما سبق تقريره: أنه لا تكليف إلا بفعلٍ والفعل إنما يتعلق بالمكلف، هذا الراجح.
﴿لأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ﴾ هذه قاعدة ﴿فَإِذَا أُضِيفَ إلَى عَيْنٍ مِنْ الأَعْيَانِ﴾ حينئذٍ لا بد أن نقدر فعلاً للمكلف بين التحريم وبين العين.
حينئذٍ ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ)) حُرِّم عليكم أكل الميتة، قدَّرنا فعلاً للمكلف بين التحريم وبين العين، حُرِّم أكل الميتة .. جعلناه مضافاً.
قال: ﴿فَإِذَا أُضِيفَ إلَى عَيْنٍ مِنْ الأَعْيَانِ يُقَدَّرُ الْفِعْلُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ﴾ يعني: من هذا التحريم.
﴿فَفِي الْمَأْكُولاتِ: يُقَدَّرُ الأَكْلُ، وَفِي الْمَشْرُوبَاتِ﴾: يُقَدَّرُ ﴿الشُّرْبُ﴾. يعني: كلما أضيف شيءٌ تحريمه إلى عين وهو مأكول قدَّرت الأكلَ، وكلما أضيف التحريم إلى مشروبٍ قدَّرت الشربَ. حينئذٍ صار معيناً، أين الإجمال؟
﴿وَفِي الْمَلْبُوسَاتِ﴾: قدّرت {اللُّبْسُ, وَفِي الْمَوْطُوءاتِ: الْوَطْءُ.
﴿فَإِذَا أُطْلِقَ أَحَدُ هَذِهِ الأَلْفَاظِ سَبَقَ الْمَعْنَى الْمُرَادَ إلَى الْفَهْمِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ, فَتِلْكَ الدَّلالَةُ مُتَّضِحَةٌ لا إجْمَالَ فِيهَا﴾.
يعني: لن يفهم السامع بأنه إذا قيل: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ)) أنه يَفهم أن التحريم هنا متعلقٌ بالنظر أو باللمس أو بنحو ذلك، وإنما الميتة يتعلق بها الأكل.
إذاً: ينصرف الذهن مباشرة إلى تقدير الأكل، ولا يَفهم إلا الأكل.
((أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا)) [الأنعام:145] الدم يُشرب. يعني: شرب الدم المسفوح .. ونحو ذلك.
((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ)) [النساء:23] يعني: وطئُهن.
قال: ﴿قَالَ الْمُخَالِفُونَ: إسْنَادُ التَّحْرِيمِ إلَى الْعَيْنِ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ﴾ وهو كذلك .. سلَّمنا بهذا؛ لأن العين ليست من فعل المكلَّف والتحريم هو حكمٌ تكليفي يتعلق بفعل مكلف، فسلمنا بهذه المقدمة.
﴿فَلا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ﴾ يعني: نقدِّر فعل المكلَّف.
قال: ﴿وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لأُمُورٍ لا حَاجَةَ إلَى جَمِيعِهَا، وَلا مُرَجِّحَ لِبَعْضِهَا, فَكَانَ مُجْمَلاً﴾.
يعني: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ)) فهموا أن فعل المكلَّف هنا يحتمل النظر .. أنه يحرم عليه أن ينظر إلى الميتة، أو أن يشم رائحتها، أو أن يلمسها، أو أن يأكلها .. قالوا: هذه كلها على السواء، فنحتاج إلى مرجِّح فصار مُجملاً. نقول: لا. ليس على السواء.