إذا جئنا واجتهدنا وقلنا: لا هذا مقيدٌ بما جاء في غسل اليد ثلاثاً، أو فيما جاء في غسل الولوغ من الكلب سبعاً، فنقيده. يلزم منه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يبيّن للمرأة، وهذا فاسد.
قال هنا: ﴿لَمْ يَشْتَرِطْ عَدَدًا مَعَ أَنَّهُ وَقْتُ حَاجَةٍ﴾ بيان الحكم الشرعي ﴿فَلَوْ كَانَ الْعَدَدُ شَرْطًا لَبَيَّنَّهُ، وَلَمْ يُحِلْهَا عَلَى وُلُوغِ الْكَلْبِ, فَإِنَّهَا رُبَّمَا لَمْ تَسْمَعْهُ, وَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ شُرِعَ الأَمْرُ بِغَسْلِ وُلُوغِهِ﴾ يعني: ما جاء الشرع بذلك.
قال رحمه الله تعالى: (وَالْمُطْلَقُ ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَاهِيَّةِ كَالْعَامِّ، لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ).
(الْمُطْلَقُ ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَاهِيَّةِ) يعني: يدل على الماهية، لكنه على جهة البدل. يعني: هو عامٌ لكن عمومه بدليٌ لا شمولي.
فإذا قال: "أعتق رقبة مؤمنة" وعندنا خمسة، فحينئذٍ الأول يصلح أن يكون مدلولاً للفظ، ثم الثاني يصلح أن يكون مدلولاً للفظ، فإذا أعتقنا الأول امتنع الثاني؛ لأن الشمول هنا ليس دفعة واحدة وإنما على جهة البدل.
{قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: الْمُطْلَقُ قَطْعِيُّ الدَّلالَةِ عَلَى الْمَاهِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَظَاهِرٌ فِيهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَالْعَامِّ, وَهُوَ يُشْبِهُهُ لاِسْتِرْسَالِهِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ، إلاَّ أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ, وَلِهَذَا قِيلَ: عَامٌّ عُمُومَ البَدَلِ.
وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَالْمُطْلَقُ وَقَدْ عُرِفَ مِمَّا سَبَقَ دَلالَةُ الْمُطْلَقِ, وَأَنَّهُ كَالْعَامِّ فِي تَنَاوُلِهِ} يعني: يتناول أفراداً {وَأَطْلَقُوا عَلَيْهِ الْعُمُومَ، لَكِنَّهُ عَلَى الْبَدَلِ.
ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ لِلْقَاضِي وَقَدْ احْتَجَّ عَلَى الْقَضَاءِ فِي الْمَسْجِدِ بِقَوْله تَعَالَى: ((وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ)) لا يَدُلُّ عَلَى الْمَكَانِ, فَقَالَ: هُوَ أَمْرٌ بِالْحُكْمِ فِي عُمُومِ الأَمْكِنَةِ وَالأَزْمِنَةِ} إلا ما خصّه الدليل.
((وَأَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ)) يعني: بين مختلفين، قال: القضاء يكون في المسجد لعموم قوله: ((وَأَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ)) فاستدل بذلك على أنه مطلقٌ في الأزمنة ومطلقٌ في الأمكنة فدل على أن القضاء يكون في المسجد كما يكون في غيره، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!