تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿<<جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ, وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ>> فَإِنَّ ذَلِكَ يَشْمَلُ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ، فخُصَّ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ((فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ))﴾.

هذا البكر بالبكر، والثيب بالثيب. جاء التنصيص على أنه إنما الحديث يختص بالحر، وأما العبد فلا.

﴿وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ: <<أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ>>﴾.

"النّاس" قلنا من ألفاظ العموم التي تشمل المؤمن والكافر، والكافر بأنواعه سواء كان من أهل الكتاب أو من غيره.

﴿خُصَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ((حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ))﴾ خُصّ قوله: الناس.

فحينئذٍ <<أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ>> إن كان الناس المراد بهم أهل الكتاب فحينئذٍ ثم أمران: إما أن يدخلوا في الإسلام بقول: لا إله إلا الله، وإما أن يدفعوا الجزية. هذا الثالث.

والرابع: ﴿تَخْصِيصِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ. قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: <<فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ>>﴾ هذا فيه عموم، أين العموم؟ ما .. فيما يعني: في الذي سقته السماء العشرُ.

﴿فَإِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: <<لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ>>﴾.

<<فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ>> يعني: بلغ الخمسة أو دون، تأتي السنة مبيّنة أن الحكم معلقٌ بالخمسة فما فوق، أما ما دون الخمس فهذا منفيٌ عنه العُشر. وهَذا كَثير في كتب أهل العلم.

قيل: لا يجوز تخصيص السنة بالسنة؛ لأن السنة بيان للقرآن ولا يجوز أن يفتقر البيان إلى بيان.

قلنا: اجتهادٌ مخالفٌ للواقع.

﴿وَالْمُخَالِفُ فِي تَخْصِيصِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ وَطَائِفَةٌ. فَقَالَ: إنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ﴾.

يعني: لا يُبنى أحدهما على الآخر، فيتعارضان، كلٌ منهما بيان .. نحتاج إلى مبين خارجي. نقول: لا. ليس الأمر كذلك.

﴿وَمَنْشَأُ الْخِلافِ: مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا تَكُونُ مُبَيِّنَةً لا مُحْتَاجَةً لِلْبَيَانِ﴾ فإذا احتاجت إلى بيان تعارضا، فنحتاج إلى مرجِّحٍ من خارج.

وهذا اجتهادٌ في مقابلة ما فهمه السلف –الصحابة- من كون كلٍ منهما يخصص الآخر.

ولذلك المثال السابق واقع قد فهمه كثيرٌ من الصحابة، هذا ما يتعلق بالمنطوقات -ما سبق-: الكتاب بالكتاب، الكتاب بالسنة، السنة بالسنة .. إلى آخره.

ولا يُشترط في تخصيص السنة بالسنة أن يُنظر إنه لا يخص المتواتر إلا بالمتواتر، أو أنه لا يُخص الآحاد إلا بآحاد أو بمتواتر، ولا يُخص المتواتر بالآحاد نقول: هذا التفريق -وإن قال به بعضهم على قلة- ليس عليه أصلٌ، وما ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه دليلٌ شرعيٌ. حينئذٍ صح أن يُخص إن كان عاماً، وصح أن يخصِّص إن كان خاصاً مطلقاً، سواء كان منطوقاً أو مفهوماً.

كل ما صح أن تثبت به الأحكام الشرعية على جهة الاستقلال صح أن يكون مخصِّصاً لغيره. هذه القاعدة في هذا الباب.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ١١٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ١١٩١