﴿قَالَ: فَهَذَا عَامٌّ لاَ خَاصَّ فِيهِ فَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ سَمَاءٍ وَأَرْضٍ وَذِي رُوحٍ وَشَجَرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُهُ، وَكُلُّ دَابَّةٍ فَعَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا، وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾.
إذاً: العقل ليس مخصصاً على الصحيح .. لا الحس ولا العقل، والإيراد هنا أن التخصيص حكمٌ شرعي، وقصر العام على بعض أفراده لا بد أن يكون من جهة الشرع، والحس لم يفوَّض وكذلك العقل لم يفوَّض ونحتاج إلى دليل، ثم ما أُورد من أمثلة في هذين النوعين فالصواب أنه من العام الذي أُريد به الخصوص، فليس عندنا أفرادٌ دخلت ثم خرجت بالحس ولا بالعقل.
(وَمُتَّصِلٌ) وترك القسم الثالث وهو الدليل السمعي، سيفرده ببحثٍ خاص.
قال: ﴿وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ﴾ المخصصات وهو المُتَّصِلٌ ﴿وَهُوَ مَا لاَ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ﴾ يعني: ليس بجملة وإنما هو مرتبطٌ باللفظ العام، حيثما وُجد اللفظ العام فثَم المخصِّص المتصل.
﴿مَا لاَ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ﴾ ليس بجملة ﴿بَلْ مُرْتَبِطٌ بِكَلامٍ آخَرَ﴾ فيه اللفظ العام.
(وَهُوَ أَقْسَامٌ) منهم من جعلها أربعة، ومنهم من جعلها خمسة.
(اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ) هذا النوع الأول من المتصل.
الاستثناء من المخصِّصات المتصلة؛ لأن الاستثناء "إلا" وما بعدها، وهذا لا يوجد إلا في ضمن كلام .. فهو لا يستقل، حينئذٍ يكون مرتبطاً بالكلام السابق. جاء القومُ إلا زيدا. هنا القوم هو اللفظ العام، وإلا زيداً هو المخصص المتصل وهو استثناء.
إذاً: لا يمكن أن يستقل بنفسه، فلا يقال: إلا زيداً هكذا ابتداء، إنما يقال: جاء القومُ إلا زيداً.
ثم الاستثناء على نوعين: استثناء متصل واستثناء منقطع.
والضابط على المشهور: أن ما كان من جنس المستثنى منه فهو المتصل، وإن كان من غير جنسه فهو المنقطع.
"إن كان من جنسه" كقولك: قام القوم إلا زيداً، فزيدٌ من جنس القوم، إذاً: الاستثناء هنا متصل، وإذا لم يكن من جنسه فحينئذٍ نقول مثل: قام القوم إلا حماراً، قالوا: الحمار ليس من جنس القوم. يسمى هذا استثناءاً منقطعاً.
هنا قال: (اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ) احترازاً عن المنقطع فلا يُعتبر من المخصِّصات؛ لأن المخصِّص إخراج بعض ما دخل، وهذا لم يدخل حتى يحتاج إلى إخراج.
هذا وجه التخصيص هنا بالمتصل.
قال: (اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ).
﴿أَمَّا الاِسْتِثْنَاءُ فَمَأْخُوذٌ مِنْ الثَّنْيِ، وَهُوَ الْعَطْفُ، مِنْ قَوْلِهِ: ثَنَيْتُ الْحَبْلَ أثْنِيه. إذَا عَطَفْتَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ, وَقِيلَ: مِنْ ثَنَيْتُه عَنْ الشَّيْءِ. إذَا صَرَفْتُه عَنْهُ﴾.
يحتمل المعنيين وكلاهما صحيح. يعني: الاستثناء مأخوذ من الثني وهو العطف ﴿ثَنَيْتُ الْحَبْلَ إذَا عَطَفْتَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾ والاستثناء فيه عطفٌ: جاء القوم ثم تعطف إلى المستثنى منه فتُخرج زيد.
﴿وَقِيلَ: مِنْ ثَنَيْتُه عَنْ الشَّيْءِ. إذَا صَرَفْتُه عَنْهُ﴾.
يعني: ترجع إلى القوم فيُظنّ أن زيداً داخلٌ فيه فتصرف الناظر فيه لئلا يهم في ذلك.
قال: (وَهُوَ إِخْرَاجُ مَا لَوْلَاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ).
(وَهُوَ) ﴿أَيْ الاِسْتِثْنَاءُ الْمُتَّصِلُ﴾.