تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن تكون من العام الذي أُريد به الخصوص، ولعله لاحظ .. في التعريف السابق قال: قصر العام يعني: قصر الشارع، والحس ليس بدليلٍ شرعي، لكن لما كثر إيراد الأصوليين ومنهم كبار كبار، حينئذٍ أوردوا بأن الحس مخصِّص، حينئذٍ بدأت الزعزعة التي نذكرها دائماً، أن بعض الناس قد يرى أن هذا القول وما عليه الأكثر قول فيه ضعف بل قد يكون باطلاً، لكن لما كان هو الشائع فمخالفته فيها شيءٌ من الصعوبة على النفس، فيُذكر القول المشهور ثم يقول: لا يتعين أن يكون الحس.

ولذلك قال: ﴿هَذِهِ الأَمْثِلَةَ لاَ تَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ بِالْحِسِّ، فَقَدْ يُدَّعَى أَنَّهَا مِنْ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ﴾.

لا نقول: يُدَّعى بل هو الحق؛ لأننا إذا جارينا المشهور عند الأصوليين بأن الحس مخصص وقعنا في إشكال وحرج كبير وهو: أن التخصيص لا يكون إلا بإرادة الشارع، وأين هو؟ ليس عندنا ما يدل على ذلك.

﴿الثَّانِي: أَنَّ مَا كَانَ خَارِجًا بِالْحِسِّ فَقَدْ يُدَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ حَتَّى يَخْرُجَ، كَمَا يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي التَّخْصِيصِ بِالْعَقْلِ﴾.

لا نقول هو لم يدخل أصلاً، فهذان البحثان اللذان ذكرهما المصنف هما الحق، وهو أن هذه الألفاظ ليست من العام المخصوص، وإنما هي من العام الذي أُريد به الخصوص، ثم من أخبركم بأن الباري جل وعلا أراد بأن هذه الأفراد التي أدرك الحس عدم شمول اللفظ لها بأنها داخلة؟ واللفظ حينئذٍ نقول: اللفظ يُنظر بالسياق.

يعني: الحكم على اللفظ العام يُنظر بسابقه ولاحقه، فلا يمكن أن يريد الباري "تدمر كل شيء" حتى السماوات والأرض ثم نحتاج إلى إخراج، نقول: السماوات موجودة والحس أدرك وجودها. إذاً: هي مخصِّص؟ هذا باطل.

إذاً: لا نخشى أن نخالف ما عليه أكثر الأصوليين من كون الحس مخصِّصاً، بل الصواب: إسقاطه، بل يجب إسقاطه.

وأشد منه العقل وهو ما سيأتي.

قال: ﴿وَمِنْ التَّخْصِيصِ بِالْمُنْفَصِلِ أَيْضًا الْعَقْلُ﴾ يعني: دليل العقل ﴿ضَرُورِيًّا كَانَ أَوْ نَظَرِيًّا﴾.

وهل العقل دليلٌ شرعي يحصل به التخصيص؟ وهل العقل يكون معبّراً عن إرادة المتكلم؟ هذا إشكال كبير .. يعني: إذا جعلنا هذه مخصصات، عندنا أسئلة لا جواب عليها البتة إلا بإسقاط هذا المخصص.

قال: ﴿فَمِثَالُ الضَّرُورِيِّ﴾ يعني: الذي يجب على العقل أو تعين أن العقل يكون مخصصاً فيه ﴿قَوْله تَعَالَى: ((اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ))﴾.

قال: جاء النص بأن الباري جل وعلا يُطلق عليه أنه شيء. نقول: نعم .. سلَّمنا ((قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ)) [الأنعام:19] إذاً: يُطلق عليه أنه شيء، لكن من أخبركم أن الباري أراد نفسه في هذه؟ من أين؟ هل يُتصور بأن الله تعالى تكلم بهذه الجملة ((اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)) وأراد نفسه؟ هل الفرد داخل أصلاً؟ ليس بداخل، نقطع بهذا.

العقل يدل على عدم دخوله ابتداء، هنا ضرورة وليس أنه دخل ثم نحتاج إلى إخراجه، فالقضية عكسية، بأن العقل دل ضرورة على أن هذا الفرد وهو الباري جل وعلا لم يدخل ابتداء.

شرح مختصر التحرير للفتوحي · الصفحة ١١٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مختصر التحرير للفتوحيص ١١٤٢