(أَلْفَاظٌ) هذا جنس قريب، فخرج ما دل على معنى وليس بلفظ، هل عندنا شيء يدل على معنى وليس بلفظ؟ نقول: نعم، الإشارة تدل على معنى وليست بلفظ، كذلك الكتابة تدل على معنى وليست بلفظ.
إذاً: كل ما لم يكن لفظاً ودل على معنى فهو خارج بهذا الجنس، فلا يكون شيء منها لغة، وخرج الألفاظ المهملة؛ لأنه قال: (وُضِعَتْ لِمَعَانٍ) يعني: خرج بالقيد الآتي، وكذلك قوله: (أَلْفَاظٌ) دخل فيه الألفاظ المقدرة، حينئذٍ: اللفظ يكون حقيقة ويكون حكماً، يعني: ما كان ملفوظاً به حقيقة أو كان ملفوظاً به حكماً، ليشمل الضمائر المستترة، فإنها من اللغة وإن لم يُلفظ -يعني: يُنطق- بها؛ لأن العرب عاملتها معاملة الملفوظ، الضمائر المستترة التي يسند إليها الفعل نحو: قم، قم هذا مؤلف من كلمتين، الكلمة الأولى .. الفعل المنطوق به وهو قم، والثانية الضمير المستتر واجب الاستتار فيه.
حينئذٍ نقول: هذا كلام مركب من كلمتين: الكلمة الأولى قم، والكلمة الثانية لم يلفظ بها .. أين هي؟ نقول: هذه مقدرة، هل هي لفظ؟ نقول: نعم هي لفظ لكنه لفظ مقدر، فحينئذٍ لا بد من إدخاله في هذا الحد؛ لأنه من لغة العرب، فحينئذٍ نقول: (أَلْفَاظٌ) المراد به: ما كان ملفوظاً به حقيقة أو حكماً لتدخل الضمائر المستترة فإنها ملفوظ بها حكماً بدليل ثلاثة أمور:
أولاً: إسناد الفعل إليها. والعرب لا تسند إلا ما كان لفظاً إلى لفظ .. إسناد الفعل إليها؛ لأن الإسناد هو: ضم كلمة إلى أخرى (قم يا زيد) "قم" أين الفاعل؟ نقول: هذا مستتر، هو مسند إليه، والفعل "قم" هذا مسند، إذاً: أسند العربي قم إلى الضمير المستتر، ولا يُسند إلا إلى ما كان لفظاً.
ثانياً: جواز تأكيدها.
والعطف عليها هذا الثالث، ويجتمعان في قوله تعالى: ((اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ)) [البقرة:35] اسكن هذا مثل قم .. فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، الضمير المستتر هل هو لفظ أم لا؟ نقول: نعم، بدليل ماذا؟ ثلاثة أدلة وكلها موجودة في الآية:
أولاً: الإسناد، أسند (اسكن) إلى الفاعل، ولا يُسند إلا إلى ما كان لفظاً.
ثانياً: أكَّده (أنت)، أنت هذا ليس الفاعل وإنما هو توكيد للضمير المستتر، ولا يؤكد إلا الألفاظ، وهنا ليس عندنا لفظ منطوقاً به، وإنما هو مستتر، وحينئذٍ عومل معاملة الألفاظ، ثم عطف عليه، قال: ((وَزَوْجُكَ)) زوجك هذا ليس معطوفاً على أنت، وإنما هو معطوف على الضمير المستتر، فدل على أن العرب قد عاملت الضمائر المستترة وهي غير ملفوظة في الحقيقة عاملتها معاملة الملفوظ، دل ذلك على أنها لغة.
إذاً: (أَلْفَاظٌ) حقيقة أو حكماً.
(وُضِعَتْ لِمَعَانٍ)
(وُضِعَتْ) سيأتي تعرف الوضع بنوعيه الخاص والعام، والمراد هنا ما جعل دليلاً على المعنى، وسيأتي.
(وُضِعَتْ لِمَعَانٍ) "لمعانٍ" هذا جمع معنى على وزن مَفْعَل من عَنَيتُ، بمعنى: قصدتُ.
وذكر الشيخ الأمين رحمه الله تعالى في النثر أنه أعم من المسمى، وهو أعم من المسمى؛ لأن المعنى هو ما يقصد من اللفظ سواء كان مسماه حقيقة أو سواء كان مسماه أو غير مسماه، يعني يدخل فيه الحقيقة والمجاز، بخلاف المعنى فإنه يكون حقيقة.