لا آكل ماذا؟ حذف المفعول، لو قال: لا آكُلُ تمراً هذه تعلق بها الحكم ولها وجهٌ آخر عنده.
لكن لو قال: والله لا أكلت، لو أكل تمراً يحنث، لو أكل لحماً يحنث .. كل شيء يأكله يحنث به؛ لأنه عمم. كيف عمم؟ حذف المفعول.
لما حذف المفعول حينئذٍ استفدنا العموم من حذف المفعول، وله عموم آخر وهو كونه في سياق نكرة الذي هو وقوع الأكل قلّ أم كثُر هذا عمومٌ آخر.
يعني: عمومٌ في الأكل، وعمومٌ في المأكول.
عمومٌ في الأكل أخذناه من الفعل نفسه في سياق النفي أو الشرط.
عمومٌ في المأكول أخذناه من حذف المفعول.
قال: (يَعُمُّ مَفْعُولَاتِهِ) لأنه نكرة في سياق النفي؛ لأن نفي الفعل نفيٌ لمصدره.
قال: (فَيُقْبَلُ تَخْصِيصُهُ).
﴿وَكَذَا سَائِرُ الأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ﴾ يعني: الواقعة في سياق النفي.
﴿قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: الْفِعْلُ الْمَنْفِيُّ هَلْ يَعُمُّ، حَتَّى إذَا وَقَعَ فِي يَمِينٍ، نَحْوُ: وَاَللَّهِ لا آكُلُ﴾ هذا فعل متعدٍ أَوْ والله لا أَضْرِبُ، أَوْ واللهِ لا أَقُومُ، أَوْ مَا أَكَلْتُ فهو متعدي. أَوْ مَا قَعَدْت هذا لازم ﴿وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَنَوَى تَخْصِيصَهُ بِشَيْءٍ يُقْبَلُ، أَوْ لا يَعُمُّ فَلا يُقْبَلُ﴾؟
نوى تخصيصه .. النية تخصص، لكن لو قال: أطلق النية ولم ينو شيئاً حينئذٍ تأتي المسألة على وجهها أنه يعم سائر المفعولات، لكن لو نوى شيئاً معيناً قال: والله لا آكل. وعنى بقلبه اللحم مثلاً، فإذا أكل دجاج لا يحنث؛ لأن النية مخصصة.
ففرض المسألة عند عدم وجود النية، أما إذا وجدت النية فلا إشكال، ولو كان شيئاً أمامه وحصل نزاع أو غضب، وكان بوجود السمك مثلاً، قال: والله لا آكل لحماً.
حينئذٍ القرينة الموجودة الظاهرة هذه وهو أن ما حركه هو وجود الخلاف في السمك مثلاً، حينئذٍ يُحمل عليه، فالقرينة قد تكون نية وقد تكون العرف أو العادة الذي هو عليه.
قال هنا: {وَنَوَى تَخْصِيصَهُ بِشَيْءٍ يُقْبَلُ، أَوْ لاَ يَعُمُّ فَلاَ يُقْبَلُ؟
يَنْظُرُ. إمَّا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُتَعَدِّيًا أَوْ لازِمًا:
فَالأَوَّلُ} يعني: المتعدي-: {هُوَ الَّذِي يَنْصَبُّ فِيهِ الْخِلافُ عِنْدَ الأَكْثَرِ. فَإِذَا نُفِيَ وَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ مَفْعُولٌ بِهِ، فَفِيهِ مَذْهَبَانِ:
أَحَدُهُمَا -وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَأَبِي يُوسُفَ-: أَنَّهُ يَعُمُّ}.
وهو المسألة السابقة، أنه نفى الفعل المتعدي ولم يذكر له مفعولاً به مثل: والله لا آكل، أو إن أكلتُ. هذا فعلٌ متعدي ولم يذكر له مفعول، عند الجمهور من الشافعية والمالكية والحنابلة أنه يعم. وهو كذلك.
﴿وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّهُ لا يَعُمُّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْقُرْطُبِيِّ وَالرَّازِيِّ﴾ فلا يقبل التخصيص لا بالنية ولا بغيرها.
إذاً: متى يقبل التخصيص؟ إذا قلنا بعمومه، وإذا قلنا بأنه ليس بعام لا يقبل التخصيص. لماذا؟
كما سيأتي في باب التخصيص أن التخصيص فرع العموم يعني: لا يُدّعى بأن الشيء يخصص شيئاً آخر إلا إذا أثبتنا أن المخصَّص عامٌ، وإذا لم يكن عاماً حينئذٍ لا يرد التخصيص بالمعنى الذي يعنيه الأصوليون.