لو لم نقدر: "في ظني" لقيل: إن الكلام كذب، وحاشاه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن واحداً من الأمرين قد وقع، ولذلك سأل أبا بكرٍ هل صح ما قاله ذو اليدين؟ قالوا: نعم. دل على أن واحداً من الأمرين: قصرُ الصلاة أو النسيان قد وقع. وهو بالفعل كذلك <<كل ذلك لم يكن>> لم تُقصر الصلاة ولم أنسَى.
فحينئذٍ تقول: هذا كذب، لكن نقول: المراد به في ظنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. باعتبار ظنه.
ومن تكلم باعتبار ظنه ولو كان باعتبار المخاطبِ يعتبر كذباً؟ لا يُعد كذباً.
إذاً: توقف الكلام هنا على إضمارٍ .. على حذفٍ وهو قوله: في ظني.
أو توقفه عليه عقلاً أو شرعاً، وسيذكره المصنف فيما يأتي.
المهم أن المراد بدلالة الاقتضاء هنا: أن اللفظ يدل على محذوفٍ، هذا المحذوف قد يتعدد. يحتمل كذا وكذا .. إلى آخره، هل نقول: بأن دلالة الإضمار عامة أو لا؟ هذا محل النزاع.
ولذلك رجّح المصنف هنا ونسبه للمذهب، (وَدَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ وَالْإِضْمَارِ) يعني: المحذوف إذا تعدد (عَامَّةٌ).
يعني: داخلة في صيغ العموم.
يرد الإشكال: مر معنا أن العموم من عوارض الألفاظ، والمحذوف هذا لفظٌ مختلف فيه.
فحينئذٍ يرد -على الاختلاف-: من قال بأن المحذوف هذا ليس بمنطوقٍ لا بالفعل ولا بالقوة منع أن تكون دلالة الاقتضاء تفيد العموم؛ لأنه معنى من المعاني وهو من المعقولات، ولا يوصف بكونه عاماً.
ومن قال: هو في قوة الملفوظ بل هو منطوقٌ غير صريح -وهو الصحيح كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى- حينئذٍ نقول: صح أن يُوصف بكونه عاماً.
إذاً: ثَم خلاف بين الأصوليين: دلالة الاقتضاء عامة أو لا؟
بناء على الأصل السابق: من رجَّح بأن العموم وصفٌ للمعاني لا إشكال عنده.
من رجَّح بأنه لا يُطلق عليه بأنه عام يعني: المعنى، فحينئذٍ يرد الإشكال هنا وهو: كيف تقول بأن دلالة الإضمار عامة وهي من المعاني .. من المعقولات، ثم تصفها بكونها عامة؟
فإما أن يقال: يَرجع ويصحح بأن المعنى يُطلق عليه أنه عامٌ حقيقة أو نجعل دلالة الاقتضاء من المنطوق غير الصريح. وهو كذلك .. أنه من المنطوق غير الصريح.
قال: (وَدَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ وَالْإِضْمَارِ عَامَّةٌ) ﴿عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَ الْقَاضِي وَجَمْعٍ مُجْمَلَةٌ﴾.
يعني: مبهمة، وحكم المجمل أنه يجب التوقف فيه حتى يدل الدليل على المراد.
﴿وَعِنْدَ ابْنِ حَمْدَانَ وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ هِيَ لِنَفْيِ الإِثْمِ﴾.
إذاً: لا تفيد العموم؛ لأنها لشيءٍ واحد.
﴿وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ -وَهُوَ الصَّحِيحُ-﴾ أنها عامة {بِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا رضي الله تعالى عنهما: <<إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ>>، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ: <<إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ>>، وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ: <<إنَّ اللَّهَ رَفَعَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ ثَلاثًا: الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَالأَمْرَ يُكْرَهُونَ عَلَيْهِ>>.