﴿وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ((يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ)) فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي وَلَدِ الصُّلْبِ، مَجَازٌ فِي وَلَدِ الابْنِ﴾.
والصواب: أنه حقيقة فيهما، لكن على هذا المثال وهو ما يذكره كثير من الفرضيين أن الولد المراد به ولد الصلب، والمراد هنا الولد وإن نزل .. الابن وإن نزل.
"وإن نزل" هل استعمال الولد فيه أو الابن حقيقة أو مجاز؟ قال: مجاز.
فحينئذٍ قوله: ((يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ)) الصُلب وإن نزلوا، وإن نزلوا هذا مجاز، في أولادكم الصُلب هذه حقيقة.
إذاً: استعمل اللفظ الواحد مراداً به الحقيقة والمجاز، أين المحال هنا؟ ليس فيه محال.
لو قيل بأن ولد الصُلب حقيقة، وولد الولد أو ابن الابن مجاز. نقول: أين المحال هنا؟ ليس فيه محال البتة.
وإن كان الصواب أنه ولد الابن كذلك يُعتبر حقيقة، لكن المسألة فيها خلاف.
وَالشَّأنُ لاَ يُعْتَرَضُ المِثَالُ ... إِذْ قَدْ كَفَى الفَرْضُ وَالاِحْتِمَالُ
ج
﴿وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ((وَافْعَلُوا الْخَيْرَ))﴾ وهو كذلك.
((وَافْعَلُوا الْخَيْرَ)) هنا حملها الإمام أحمد على معنى الإيجاب والندب .. وافعلوا، ويدل على ذلك قوله: الخير. والخيرُ يكون منه واجب ويكون منه مستحبٌ أو مندوب.
حينئذٍ افعلوا .. صيغة افعل، مر معنا أنها حقيقة في الإيجاب، مجازٌ في الندب وما عداه.
إذاً: استُعمل اللفظ مراداً به الحقيقة والمجاز، ولا إشكال فيه.
فقوله: ((وَافْعَلُوا الْخَيْرَ)).
قال: ﴿فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ﴾ وهو كذلك.
هذا مر معنا في صيغة يأمرُ، وهذا لا إشكال فيه: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى)) [النحل:90] لكنه يأمر ليس هو كقوله: وافعلوا؛ لأن يأمر أمرَ قلنا: هذا حقيقة في الإيجاب وفي الندب، فحينئذٍ لا يكون من قبيل المجاز.
القول بالعدل، العدل لا يكون إلا واجباً، واستعمل يأمر في الإيجاب.
((بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)) [النحل:90] الإحسان منه واجب ومنه مندوب.
((وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى)) [النحل:90] منه واجبٌ ومنه مندوب.
إذاً: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ)) [البقرة:67] أمر إيجابٍ في الواجب، وأمر ندبٍ في الندب.
حينئذٍ لا نقول: هذا مجاز؛ لأن أَمَرَ هذا حقيقةٌ في القول المخصوص سواءٌ كان طلباً جازماً أو غير جازم.
وبناءً عليه قلنا: الصواب أن المندوب مأمورٌ به، وأما صيغة افعل التي هي مسمى أَمَرَ هذه لا تكون حقيقة إلا في الإيجاب مجازٌ في الندب.
فإذا استُعمل اللفظ "صيغة افعل" مراداً بها النوعان حينئذٍ نقول: هذا مجازٌ، وأين الإحالة هنا؟ ليس محالاً؛ لأنه يمكن الجمع، والعقل يدرك ذلك.
قال: ﴿فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ خِلافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِالْوُجُوبِ﴾.
قال: (وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيهِمَا).
يعني: استعمال اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي ظاهرٌ. يعني: من قبيل الظاهر لا من قبيل النص.
قال: (وَهُوَ) ﴿أَيْ اللَّفْظُ حَالَةَ إطْلاقِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَمَجَازهِ (ظَاهِرٌ فِيهِمَا) أَيْ: غَيْرُ مُجْمَلٍ﴾ ولا يكون نصاً كذلك.