والصواب: أنه يعم الأمرين، فيكون الجواب تابعاً للسؤال: إن كان السؤال عاماً فالجواب عام، وإن كان السؤال خاصاً فالجواب خاص، لكن هذا قال: (لاَ الْمُسْتَقِلَّ) يعني: الذي لا يحسن الابتداء به.
﴿وَالْجَوَابُ مِنْ الشَّارِعِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلاًّ بِالسُّؤَالِ﴾ يعني: لا يحسن الابتداء به، وإنما يكون تابعاً بمعنى: أنه لا يمكن فكه عن السؤال، ولا يمكن أن يكون جملة مفيدة إلا بانضمام السؤال إليه، كما سيأتي في المثال.
﴿وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: لاَ الْمُسْتَقِلَّ فَهُوَ تَابِعٌ لِسُؤَالٍ فِي عُمُومِهِ اتِّفَاقًا﴾. هذا محل وفاق.
﴿نَحْوُ: جَوَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ: <<أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ، إذَا يَبِسَ؟ قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: فَلاَ إِذْنَ>>﴾.
هذا الجواب: <<فَلا إذْنَ>>.
هل يصلح هذا أن يقع ابتداء هكذا الكلام؟ لا يصلح، إذاً نقول: هذا جوابٌ لا يستقل، لا يصلح أن يكون جواباً .. لا يصلح أن يستقل عن السؤال فيقع ابتداء هكذا، وإنما لا بد أن يكون مرتبطاً بالسؤال.
<<فَلا إذْنَ>> هنا السؤال عام فالجواب حينئذٍ يكون عاماً، أين عموم السؤال هنا؟
قال: ﴿سَأَلَهُ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ﴾ لم يقُل: بعتُ ولم يقل: إني بعت، أو أبيع كذا .. لم يخص ويضيف السؤال إلى نفسه، وإنما سأل سؤالاً عاماً قال: ﴿سَأَلَهُ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ﴾ ولم يضفه إلى نفسه نقول: هذا عام.
فالسؤال عام، وقوله: <<فَلا إذْنَ>> حينئذٍ يعم السائل وغيره، فكل من باع الرطب بالتمر فحينئذٍ <<لاَ إِذْنَ>> بالقيد المذكور: <<أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ؟ >>.
ومثله أن يسأل: <<هل يُتوضأ بماء البحر؟ قال: نعم>>. نعم هذا لا يصلح أن يكون مستقلاً، بخلاف <<هو الطهور ماءه الحل ميتته>> هذا شيءٌ آخر، لكن إذا سئل عن الوضوء بماء البحر، قال: <<هل يُتوضأ بماء البحر؟ فقال: نعم>> السؤال عام أو خاص؟ عام؛ لأنه لم يضفه إلى شخص معين .. ليس جزئياً، لا يتعلق بوضوء زيدٍ وإنما يُتوضأ .. كل متوضئ بماء البحر، قال: نعم. نقول: الجواب هنا لا يستقل وإنما يكون تابعاً للسؤال، والسؤال عام فالجواب عامٌ.
إذاً: (الْجَوَابُ لاَ الْمُسْتَقِلَّ) أما المستقل فله حكمٌ آخر.
﴿فَهُوَ تَابِعٌ لِسُؤَالٍ فِي عُمُومِهِ﴾ وهذا محل وفاق.
قال: ﴿وَفِي قَوْلِ﴾ (وَخُصُوصِهِ).
يعني: إذا كان السؤال قال هنا: (لاَ الْمُسْتَقِلَّ).
إذا كان الجواب لا يستقل، وكان السؤال خاصاً فهل يكون تابعاً الجوابُ للسؤال؟ فيه خلاف، ولذلك قال: ﴿فِي قَوْلِ﴾ إذاً: استوى عنده القولان ولم يرجح.
والصواب الذي عليه الجمهور: هو أن الحكم عام.
يعني: سواء كان السؤال خاصاً أو عاماً.
فإن لم يستقل بحيث لا يصح الابتداء به فهو على حسب السؤال إن كان عاماً فعامٌ وإن كان خاصاً فخاصٌ، حتى كأن السؤال معادٌ في الجواب، هكذا عبارة الزركشي وهي أصح.
قال: ﴿وَفِي قَوْلِ، وَكَذَا فِي خُصُوصِهِ يَعْنِي: أَنَّ الْجَوَابَ غَيْرَ الْمُسْتَقِلِّ يَتْبَعُ السُّؤَالَ فِي خُصُوصِهِ أَيْضًا فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ﴾ وهو الصواب.