إن أردت به اللفظ فهو داخلٌ فيه لغة قطعاً، وإن أردت به الحكم فلا، فالإخراج حينئذٍ ليس من اللفظ وإنما من الحكم الذي ترتب على اللفظ .. الإخراج من الحكم الذي صدق على اللفظ العام، وأما اللفظ فهو داخلٌ فيه قطعاً قبل التخصيص وبعد التخصيص.
ولذلك قال: (وَعُمُومُهُ) يعني: عموم ما خُص.
(مُرَادٌ تَنَاوُلًا، لاَ حُكْمًا) ﴿أَيْ مِنْ جِهَةِ تَنَاوُلِ اللَّفْظِ لأَفْرَادِهِ﴾ فهو مرادٌ قطعاً ﴿لاَ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ﴾ فلإخراج من الحكم.
(وَقَرِينَتُهُ لَفْظِيَّةٌ) يعني المخصِّصات الآتية: إما الاستثناء، وإما الصفة، وإما الشرط .. إلى آخره.
(وَقَدْ تَنْفَكُّ) ﴿عَنْهُ﴾ يعني: قد يأتي لفظ الإنسان دون إلا ودون وصفٍ، وقد يأتي بالشرط أو بالاستثناء.
إذاً: قد توجد القرينة المخصِّصة معه وقد لا توجد.
(وَالْعَامُّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ. كُلِّيٌّ اُسْتُعْمِلَ فِي جُزْئِيٍّ) ابتداء، فلم يتناول جميع الأفراد (وَمِنْ ثَمَّ كَانَ مَجَازًا).
(كُلِّيٌّ اُسْتُعْمِلَ فِي جُزْئِيٍّ) لأن مدلول اللفظ العام كليٌ. يعني: قدرٌ مشترك بين أفراد لا منتهى لها، لكنه استُعمل ابتداء في جزئي .. في واحد من الأفراد.
هذا يكون مجازاً لا حقيقة بخلاف الأول.
إذاً: (عُمُومُهُ مُرَادٌ تَنَاوُلًا) باعتبار اللفظ.
(لاَ حُكْمًا) هذا في العام المخصوص.
(وَقَرِينَتُهُ لَفْظِيَّةٌ وَقَدْ تَنْفَكُّ) هذا كم حكم؟
(مُرَادٌ تَنَاوُلًا لاَ حُكْمًا).
قَرِينَتُهُ لَفْظِيَّةٌ وَقَدْ تَنْفَكُّ) تجعله ثالثاً.
(الْعَامُّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ كُلِّيٌّ اُسْتُعْمِلَ فِي جُزْئِيٍّ).
يعني: غير متناوِل للأفراد، مقابل لقوله: (مُرَادٌ تَنَاوُلًا).
(وَمِنْ ثَمَّ كَانَ مَجَازًا) هل له قرينة؟ نعم ذكر ذلك.
قال: (وَقَرِينَتُهُ عَقْلِيَّةٌ لاَ تَنْفَكُّ).
لأنه لا يتصور .. كالمثال السابق: ((الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ)) [آل عمران:173] لا يتصور، لو قلت على ظاهره: الناس الناس، حينئذٍ إذا تكلم كل الناس، يخاطِبون من؟ إذا كان كل الناس يتكلمون، أو يأمرون أو ينهَون .. يأمرون من وينهَون من؟
فحينئذٍ القرينة عقلية تدل على أنه يستحيل أن يكون كل الناس هم القائلين.
قال هنا: (الْعَامُّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ كُلِّيٌّ اُسْتُعْمِلَ فِي جُزْئِيٍّ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ مَجَازًا).
{لِنَقْلِ اللَّفْظِ عَنْ مَوْضُوعِهِ الأَصْلِيِّ، بِخِلاَفِ مَا قَبْلَهُ (وَقَرِينَتُهُ عَقْلِيَّةٌ لاَ تَنْفَكُّ) عَنْهُ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا: أَنَّ دَلالَةَ الأَوَّلِ أَعَمُّ مِنْ دَلاَلَةِ الثَّانِي}.
دلالة الأول يعني: المخصوص، أعم من دلالة الثاني .. أُريد به واحد أو اثنان.
﴿قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: لَمْ يَتَعَرَّضْ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ وَالْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ. وَهُوَ مِنْ مُهِمَّاتِ هَذَا الْبَابِ﴾.
واختلفوا فيه على أقوال، لكن الذي ذكره المصنف هنا هو قول السُبكي وهو جيد.