ما الذي جوَّز أن قائم هنا يكتفي بمرفوعه الذي هو الفاعل عن طلب الخبر؟ اعتماده على استفهام.
﴿قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ((هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا))﴾ أحدٍ جاء في سياق الاستفهام.
((هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)) يعني: لا سمي له.
إذاً: سَمِيًّا هذا نكرة في سياق الاستفهام الإنكاري فيعم.
﴿فَإِنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لأَنَّ الإِنْكَارَ هُوَ حَقِيقَةُ النَّفْيِ﴾.
قال: (وَشَرْطٍ).
يعني: ﴿كَذَا النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ شَرْطٍ فَإِنَّهَا تَعُمُّ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ))﴾.
كل من عمل صالحاً فلنفسه.
((وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ)) يعني: إن استجارك أحدٌ، فأحدٌ هنا على الصحيح هي فاعل لفعلٍ محذوفٍ وجوباً يفسِّره المذكور، أي: استجارك أحدٌ، ومن قال بأنه فاعلٌ مقدَّم -وهو مذهب الكوفيين- خطأٌ.
ومن قال بأنه مبتدأٌ وما بعده الجملة خبر خطأٌ كذلك، وإنما هو فاعل لفعلٍ محذوف.
ومثله: ((إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ)) [الانشقاق:1] يعني: إذا انشقت السماء. القول بأنها مبتدأ خطأ، وبينا العلة في شرح الملحة فليُرجع إليه.
إذاً قال: ﴿((وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ))، وَمَنْ يَأْتِينِي بِأَسِيرٍ فَلَهُ دِينَارٌ﴾. يَأْتِينِي .. هو أراد أن يمثِّل للشرط، إذاً: لا بد أن يقول: مَنْ يَأْتِنِي بأسير فله دينار، وهذه الياء زائدة.
{يَعُمُّ كُلَّ أَسِيرٍ؛ لأَنَّ الشَّرْطَ فِي مَعْنَى النَّفْيِ لِكَوْنِهِ تَعْلِيقُ أَمْرٍ لَمْ يُوجَدْ عَلَى أَمْرٍ لَمْ يُوجَدْ.
وَقَدْ صَرَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِإِفَادَتِهِ الْعُمُومَ} والجمهور على ذلك.
﴿وَهُوَ مُقْتَضَى كَلامِ الآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِمَا فِي مَسْأَلَةِ: لا أَكَلْت وَإِنْ أَكَلْت﴾. وسيأتي بحثها.
قال: (وَلَا يَعُمُّ جَمْعٌ مُنْكَرٌ غَيْرُ مُضَافٍ).
(وَلَا يَعُمُّ جَمْعٌ مُنْكَرٌ) مرَّ أن الجمع من صيغ العموم، وحينئذٍ يفيد الاستغراق.
قال: المنكّر لا يفيد العموم. وهو كذلك، واستثنى حالة واحدة وهي: فيما إذا أُضيف.
لأنه إذا أُضيف اللفظ سواء كان مفرداً أو جمعاً أفاد العموم ((يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ)) [النساء:11].
إذاً: أولادكم هذا أفاد العموم، لو قال: في أولادٍ لم يفد العموم، لكن بإضافته إلى ما بعده حينئذٍ أفاد العموم.
ولذلك استثناه (غَيْرُ مُضَافٍ) يعني: إن كان الجمع المنكّر مضافاً أفاد العموم وإلا فلا.
﴿عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله تَعالى وَالأَكْثَرِ؛ لأَنَّهُ لَوْ قَالَ: اضْرِبْ رِجَالاً﴾ صدق على أقل الجمع، وهو ثلاثة ولا يزيد.
﴿امْتَثَلَ بِضَرْبِ أَقَلِّ الْجَمْعِ﴾ وهو كذلك.
﴿أَوْ لَهُ عِنْدِي عَبِيدٌ﴾ لو قال: له عندي عبيد ومات. كم نعطيه؟ ثلاثة، لا نقول: عبيد. هذا يفيد العموم ثم بعد ذلك نعطيه كل ما عنده لا.
﴿لَهُ عِنْدِي عَبِيدٌ قَبْلَ تَفْسِيرِهِ بِأَقَلِّ الْجَمْعِ﴾ وهو الثلاثة.