﴿نَحْوَ: لَمْ يَقُمْ كُلُّ الرِّجَالِ﴾ بل بعض الرجال، هل أفادت العموم؟ لم تفد العموم، وإنما يُشترط في إفادتها العموم إذا لم يتقدم عليها سلبٌ.
﴿أَنَّ مَحَلَّ عُمُومِهَا إذَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا نَفْيٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهَا. نَحْوَ: لَمْ يَقُمْ كُلُّ الرِّجَالِ﴾.
النفي هنا منصبٌّ على نفي القيام عن جميع الرجال، يصدق حينئذٍ بالجزئية الموجَبة: بعض الرجال قام. إذاً: ليست للاستغراق هنا.
قال: ﴿فَإِنَّهَا حينئذٍ لِلْمَجْمُوعِ، وَالنَّفْيُ وَارِدٌ عَلَيْهِ، وَسُمِّيَتْ سَلْبَ الْعُمُومِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ تَأَخَّرَ عَنْهَا﴾ النفي ﴿نَحْوَ: كُلُّ إنْسَانٍ لَمْ يَقُمْ﴾.
كل فردٍ من أفراد الإنسان محكومٌ عليه بأنه لم يقم، كلية؟ نعم كلية.
الأول ليس من قبيل الكلية وإنما من قبيل الكل .. المجموعي
الْكُلُّ حُكْمُنَا عَلى المَجْمُوعِ ... كَكُلُّ ذاكَ لَيْسَ ذا وُقُوعِ
قال هنا: ﴿فَإِنَّهَا حينئذٍ لاِسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ فِي كُلِّ فَرْدٍ، وَيُسَمَّى عُمُومُ السَّلْبِ﴾.
إذاً: فرقٌ بين سلب العموم، وعموم السلب.
عموم السلب على بابه. يعني: السلب الذي هو النفي يتبع كل فردٍ فرداً: كل إنسانٍ لم يقم، إذاً: كل فرد من أفراد الإنسان سُلب عنه القيام، هذا عمومٌ على بابه؛ لأن الحكم الذي يتسلط على العام ويتبع كل فردٍ قد يكون بالإثبات وقد يكون بالنفي كما مر معنا، مدلوله كليةٌ أي: محكومٍ على كل فردٍ فردٍ إثباتاً وسلباً، هكذا قال المصنف: إثباتاً وسلباً.
من السلب قوله: كل إنسانٍ لم يقم، كل فردٍ من أفراد الإنسان لم يقم. هذا يسمى عموم السلب، متى؟ إذا تقدمت كل على النفي: كل إنسان لم يقم.
أما إذا عُكس الأمر .. تقدم النفي، فحينئذٍ هي لسلب العموم وليست لعموم السلب.
﴿وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ أَرْبَابِ الْبَيَانِ﴾ وأكثر بحثها هناك.
﴿وَأَصْلُهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ: <<كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ>>﴾.
هنا تقدم كل على النفي -على السلب-. من عموم السلب أو سلب العموم؟ من عموم السلب.
﴿جَوَابًا لِقَوْلِهِ: أَنَسِيت أَمْ قَصُرَتْ الصَّلاةُ؟ أَيْ لَمْ يَكُنْ كُلٌّ مِنْ الأَمْرَيْنِ، لَكِنْ بِحَسَبِ ظَنِّهِ﴾ لئلا يقع الكذب، كل ذلك لم يكن أي: بحسب ظنه.
فنفى النبي صلى الله عليه وسلم النسيان والقصر، كل ذلك أي: مما ذُكر في السؤال، لم يكن، لكن باعتبار ظنه عليه الصلاة والسلام، فظن أنه لم ينس وهي قطعاً لم تقصر، على الأصل.
قال هنا: ﴿فَلِذَلِكَ صَحَّ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلاسْتِفْهَامِ عَنْ أَيِّ الأَمْرَيْنِ وَقَعَ، وَلَوْ كَانَ لِنَفْيِ الْمَجْمُوعِ﴾ يعني: المجموع الأعم لصدق بالبعض.
﴿وَلَوْ كَانَ لِنَفْيِ الْمَجْمُوعِ﴾ يعني: لا الجميع ﴿لَمْ يَكُنْ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ، وَلا لِقَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ﴾ وهذه جزئية موجبة، والجزئية الموجبة إنما تكون نقيضة للكلية السالبة.
مر معنا هذا مُفصلاً في السُلّم، لكن خطّأ هناك صاحب السُلّم بتمثيله بهذا المثال لكل المجموع.