وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ جَمْعٌ، مِنْهُمْ الْقَرَافِيُّ، قَالَ -وَتَابَعَهُ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ- بِأَنَّ صِيَغَ الْعُمُومِ وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً فِي الأَشْخَاصِ فَهِيَ مُطْلَقَةٌ فِي الأَزْمِنَةِ وَالْبِقَاعِ وَالأَحْوَالِ والْمَتَعَلِّقاتِ. فَهَذِهِ الأَرْبَعُ لا عُمُومَ فِيهَا مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِ الْعُمُومِ فِي غَيْرِهَا}.
فنحكم بكون اللفظ عاماً في الذوات: زيد، ومحمد إلى آخره، وأما الصفات المتعلقة بهم فهذه مطلقة.
الفرق بينهما: أن العمل بما قيل بأنه عامٌ فيه أنه لا يستثنى إلا بمخصص، وما قيل بأنه مطلقٌ حينئذٍ إذا امتثل مرة واحدة سقط في سائر المرات.
فحينئذٍ إذا قتل المشرك في أول النهار آخر النهار ليس داخلاً؛ لأن الزمن مطلق وليس بعام، وهذا غلط.
قال هنا: ﴿فَهَذِهِ الأَرْبَعُ لاَ عُمُومَ فِيهَا مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِ الْعُمُومِ فِي غَيْرِهَا، حَتَّى يُوجَدَ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْعُمُومَ﴾ يعني: لا يدخلها العموم إلا بصيغة وُضعت لها، فلا نقول بأن الزمن عام إلا بصيغة وُضعت للزمن .. تدل على العموم، وهكذا سائر ما ذُكر.
﴿نَحْوَ: لأَصُومَنَّ الأَيَّامَ﴾ قال: الأيام هذا عامٌ في الزمن، لو قال: أياماً هذا مطلق.
﴿وَلأصَلِّيَنَّ فِي جَمِيعِ الْبِقَاعِ﴾ لا بد إذا أراد عموم البقاع أن يأتي بما يدل على لفظ العموم .. جميع البقاع.
﴿وَلا عَصَيْت اللَّهَ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، وَلأَشْتَغِلَنَّ بِتَحْصِيلِ جَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ﴾.
هذا إذا أُريد بها العام، لا بد أن يأتي بلفظٍ يدل على العموم، وإذا لم يأت بلفظٍ يدل على العموم حملناها على المطلق.
{وَرَدَّ ذَلِكَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ. فَقَالَ: أُولِعَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ -وَمَا قَرُبَ مِنْهُ- بِأَنْ قَالُوا: صِيغَةُ الْعُمُومِ إذَا وَرَدَتْ عَلَى الذَّوَاتِ مَثَلاً، أَوْ عَلَى الأَفْعَالِ: كَانَتْ عَامَّةً فِي ذَلِكَ مُطْلَقَةً فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالأَحْوَالِ وَالْمُتَعَلِّقَات.
ثُمَّ يَقُولُونَ} هذا الذي ينبني عليه ﴿الْمُطْلَقُ يَكْفِي فِي الْعَمَلِ بِهِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ. فَلاَ يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا عَدَاهُ، وَأَكْثَرُوا مِنْ هَذَا السُّؤَالِ﴾ يعني: الاعتراض {فِيمَا لاَ يُحْصَى كَثْرَةً مِنْ أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَصَارَ ذَلِكَ دَيْدَنًا لَهُمْ فِي الْجِدَالِ.
قَالَ: وَهَذَا عِنْدَنَا بَاطِلٌ، بَلْ الْوَاجِبُ أَنَّ مَا دَلَّ عَلَى الْعُمُومِ فِي الذَّوَاتِ -مَثَلاً- يَكُونُ دَالاًّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي كُلِّ ذَاتٍ تَنَاوَلَهَا اللَّفْظُ} ولا إشكال فيه.
﴿وَلاَ يَخْرُجُ عَنْهَا ذَاتٌ إلاَّ بِدَلِيلٍ يَخُصُّهَا﴾ لأن العام الأصل فيه البقاء على عمومه إلا بدليل.
﴿فَمَنْ أَخْرَجَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الذَّوَاتِ، فَقَدْ خَالَفَ مُقْتَضَى الْعُمُومِ﴾.
يعني: أخرج بعض الذوات دون دليل فقد خالف مقتضى العموم.
﴿إِلَى أَنْ قَالَ مِثَالُ ذَلِكَ: إِذَا قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا﴾.
"منْ" هذه في الأصل أنها شرطية وهي للعاقل، إذاً: دخل جميع الذوات.