وجاء في كتاب «الزبور» لداود عليه السلام. ما يقرب معناه من هذا وهو: إن الذي خلق أمزجة العباد، علم أحوال قلوبهم ومن علم أحوال قلوبهم علم أفعالهم. ومن علم أفعالهم، علم أحوال معادهم. وكل ذلك إشارة إلى ما ذكرناه، من كون كل ما تأخر، كالمعلول لما تقدم، وإن تأدى ذلك المتقدم، إلى ذلك المتأخر تأديا اضطراريا. ومتى كان الأمر كذلك، كان من علم المتقدم، فلا بد وأن يعلم المتأخر، استدلالا بالعلة على المعلول.
وباللَّه التوفيق
البرهان الرابع
على أن العبد لا يمكنه أن يأتي إلا بما قدره اللَّه تعالى.
وأن الذي ما قدره اللَّه تعالى له، فإنه يمتنع صدوره عنه.
إن المعتزلة وافقونا على أنه تعالى: عالم بجميع الجزئيات التي ستقع وستوجد.
إذا عرفت هذا، فنقول: تقريره من وجوه:
الأول: إنه تعالى لما علم من الكافر أنه لا يؤمن، كان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم اللَّه جهلا. وهذا محال. ومستلزم المحال محال. فيلزم: أن يكون صدور الإيمان عنه محالا (1).
الثاني: إن وجود الإيمان، يستحيل أن يحصل مع العلم بعدم الإيمان. لأنه إنما يكون علما، لو كان مطابقا للمعلوم. والعلم بعدم الإيمان، إنما يكون مطابقا لو حصل عدم الإيمان.
فلو وجد الإيمان مع العلم بعدم الإيمان، يلزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجودا ومعدوما معا.
(1) علم اللَّه بأن الكافر لا يؤمن يتناول الكافر المعين الذي يبقى على كفره إلى حين موته ويموت وهو على ذلك الكفر. وهذا العلم غير خاضع للأزمنة الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل بل هو علم كلي شامل. أما صدور الإيمان من ذلك الكافر فإنه لا يعني عدم شمول العلم لذلك الانقلاب. بل إن ذلك داخل في علم اللَّه تعالى بأن ذلك الكافر المعين سيؤمن في الوقت الفلاني. فليس من استحالة أو تناقض. أما استحالة التي ذكرها الرازي رحمه اللَّه فهي استحالة أن يؤمن الكافر مع علم اللَّه تعالى بأنه لا يؤمن ويموت على كفره. وهي استحالة لا تدخل في عالم التكليف الشرعي وإنما تتعلق بعالم الخلق والتكوين والإيجاد.