تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو محال. أنه تعالى لما علم منه عدم الإيمان كان وجود الإيمان منه محالا. ولو علم منه وجود الإيمان، كان عدم الإيمان منه محالا.

والثالث: إنه تعالى أخبر عن أقوام معينين: أنهم لا يؤمنون كقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا.

سَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ، أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (1) وقوله: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ.

فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (2) فهؤلاء الذين أخبر اللَّه عنهم، أنهم لا يؤمنون. لو آمنوا، لانقلب خبر اللَّه، الصدق: كذبا، وهذا محال والمؤدي إلى المحال محال. فوجب أن يكون صدور الإيمان منهم محالا.

الرابع: إنه تعالى كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون ألبتة: بالإيمان، والإيمان يعتبر فيه تصديق اللَّه في كل ما أخبر عنه. ومما أخبر عنهم: أنهم لا يؤمنون قط. فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون قط. وهذا تكليف بالجمع بين الضدين (3). وذلك لا يوجد ألبتة، ويمتنع وجوده. فثبت: أن هؤلاء الذين أخبر اللَّه عنهم أنهم لا يؤمنون: يستحيل صدور

الإيمان عنهم، والذين أخبر عنهم أنهم يؤمنون: يستحيل عدم الإيمان عنهم.

الخامس: إنه تعالى عاب الكفار على أنهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر اللَّه عنه.

فقال: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ. قُلْ: لَنْ تَتَّبِعُونا. كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ (4).

فثبت: أن القصد إلى تكوين ما أخبر اللَّه عن عدم وقوعه: قصد إلى تبديل كلام اللَّه.

(1) سورة البقرة الآية (6).

(2) سورة يس الآية (7).

(3) هؤلاء الكفار كلفوا أن يؤمنوا أولا فلم يؤمنوا ثم أخبرنا سبحانه وتعالى أنهم لا يؤمنون، والإيمان بصحة أنهم لا يؤمنون غير حاصل حتى يصار إلى الجمع بين الضدين وإنما هم مستمرون في عدم إيمانهم حتى لو جاء النص بذكر عدم إيمانهم فهم لا يؤمنون أيضا به جحودا وعنادا. وأبو لهب خير مثال. فقد أخبر تعالى بحرف سين الاستقبال أنه «سيصلى نارا» أي أنه سيموت على الكفر. في حين أنه كان حيا حين تنزيل هذه الآيات. وربما كان بإمكانه أن يقول: إني آمنت باللَّه ورسوله فيكذب بذلك هذا النص لكن ذلك عائد عليه بالنقض. إذ كيف يؤمن بصدقه وقد أخبر أنه سيموت على الكفر ويدخل ويصلى النار؟ ومع ذلك فلم يحدث ذلك وبقي التاريخ شاهد صدق على أبي لهب وعلى مطابقة الآية للمستقبل. متحدية بذلك الاحتمالات الكثيرة الناشئة من التنبؤ بالمستقبل بالنسبة للبشر. ودالة على أن هذا القرآن إنما يتنزل من خالق الناس وخالق الزمان والمكان.

(4) سورة الفتح الآية (15).

القضاء والقدر · الصفحة ٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٥٨