تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ضعفه. وأن أردتم أن تلك الدواعي حال بقائها على قوتها وسلامتها عن المعارض، يمكن أن لا توجد الفعل. فهذا ممنوع. وكيف يمكن أن يقال: الإنسان حال اجتماع تلك الأسباب الموجبة للأفعال الغضبية، وبراءتها عن الدواعي المعارضة لها، فإنه يمكن أن لا يأتي بتلك الأفعال؟.

فالحاصل: أنكم إن أردتم أن سلامة أعضائه حال انضمام دواعي الترك إليها، بدلا عن دواعي الفعل. لأمكنه ذلك. فهذا مسلم. ولا يقدح في قولنا. وإن أردتم بها أن سلامة أعضائه حال انضمام دواعي الفعل إليها، وكانت تلك الدواعي خالية عن المعارض، فإن مع التقدير يمكنه الترك. فهذا ممنوع. والعلم بامتناعه ضروري. ولما عرفت الكلام في هذا المثال، أمكنك

اعتبار أحوال جميع الأحوال والأفعال. ولا فائدة في التطويل.

ولنختم هذا البرهان القاطع، بفصل منقول عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي اللَّه عنه - يقوي ما ذكرناه.

روي أنه رضي اللَّه عنه خطب (1) فقال: وأعجب ما في الإنسان قلبه «فإن سنح له الرجاء، أذله الطمع. وإن هاج به الطمع، أهلكه الحرص. وإن ملكه اليأس، قتله الأسف ..

وإن عرض له الغضب، اشتد به الغيظ. وإن أسعده الرضى نسي التحفظ. وإن ناله الخوف، شغله الحذر ... وإن أصابته مصيبة قصمه الجزع ... وإن وجد مالا، أطغاه الغنى. وإن عضته الفاقة، شغله البلاء. وإن جهده الجوع، قعد به الضعف ... فكل تقصير به مضرّ، وكل إفراط له مفسد».

قال المصنف: هذا الفصل تصريح منه - عليه الرحمة - بأن أفعال الجوارح مترتبة على أفعال القلوب وأن أفعال القلوب مترتب بعضها على بعض، ترتبا ضروريا. لا مجال للعبد في قطع بعضها عن بعض. وذلك يحقق ما قلنا.

(1) نص كلامه المنقول عنه في نهج البلاغة ((167) /

(2) طبعة سنة (1321) بمصر): «لقد علق بنياط هذا الإنسان بضعة هي أعجب منه وذلك القلب. وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها. فإن سنح له الرجاء أذله الطمع. وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص وإن ملكه اليأس قتله الأسف. وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ وإن أسعده الرضى نسي التحفظ وإن ناله الخوف شغله الحذر وإن اتسع له الأمن استلبته الغرّة. وإن أفاد مالا أطغاه الغنى. وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع. وإن عضته الفاقة شغله البلاء. وإن جهده الجوع قعد به الضعف. وإن أفرط به الشبع كظّته البطنة. فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد».

القضاء والقدر · الصفحة ٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٥٦