تخطَّ إلى المحتوى

الأول: إنه إنما قصد تحصيل هذا الاعتقاد. لأنه كان قد اعتقد أن هذا الاعتقاد: علم.

فلو لا تقدم ذلك الجهل، وإلا لما رضي بهذا الجهل الثاني. فنقول: ذلك الجهل الأول، كيف

حصل؟ فإن كان ذلك لتقدم جهل آخر، لزم التسلسل. وإن كان ذلك لأنه اختار الجهل وارتضاه لنفسه ابتداء. فهذا محال. فلم يبق إلا أن يقال: الجهالات تترقى إلى جهل أول، خلقه اللَّه تعالى في العبد ابتداء. وذلك هو المطلوب.

الوجه الثاني: أن من أنصف: علم أنه لا اختيار للعبد ألبتة في حصول الجهل له وذلك لأنه ما لم يترتب في ذهنه مقدمات موجبة لهذا الجهل، لم يحصل في قلبه هذا الجهل. ثم الكلام في تلك المقدمات كما في هذه النتيجة. فتلك الجهالات لا بد أن تترقى إلى جهل أول وقع في قلبه. لا بسعي منه، ولا بطلب لحصول ذلك الجهل الأول في قلبه، وتأدى ذلك الجهل إلى سائر الجهالات اللازمة منه: ليس أيضا بسعيه ولا باختياره. فثبت: أن جميع الجهالات إنما تحصل في العبد على سبيل الاضطرار، ولا على سبيل الاختيار.

وباللَّه التوفيق

الفصل الثالث في الدلائل الدالّة على أن حصول الإيمان والكفر في قلوب العباد لا يمكن أن يكون الا بتخليق الله تعالى

البرهان الأول

إنه لا يكن أن يكون كل علم مكتسبا من علم آخر قبله وإلا لزم إما التسلسل، وإما الدور. بل لا بد وأن تنتهي هذه المكتسبات إلى علوم حاصلة في العقل، لا على سبيل الاكتساب، وهي البديهيات.

إذا عرفت هذا فنقول: كل ما لا بد منه في كون تلك البديهيات مستلزمة لهذه الكسبيات. إما أن يكون حاصلا، وإما أن لا يكون. فإن كان الأول وجب كون هذه المكتسبات حاصلة عند حصول تلك البديهيات. لأن المؤثر، إذا

القضاء والقدر · الصفحة ١٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.